فيتامينات قصصية.. المجانين الهاربون

لقطة من فيلم “البحث عن فضيحة”


أذاع الراديو الخبر التالي..
“السادة المستمعون، وصلتنا أخبار تفيد بأن عشرات المجانين هربوا من مستشفى المجانين، وباءت محاولات قوات الجيش والشرطة في القبض عليهم بالفشل، وأن المجانين الهاربون من أخطر المجانين، وسنوافيكم بالتفاصيل”.
ظن الناس أنها دعاية لإحدى المنظفات، وأن الإذاعة ستعلن المفاجأة الجميلة في النشرة المقبلة.
لكننا سمعنا المذيع يقول:
“ألو،، ألو،، السادة المستمعون:  نأسف لقطع الموسيقى، فقد نجح أكثر من ثلاثمائة مجنون في الهروب المستشفى بعد اشتباكات ومناوشات مع الأمن، وتم تحطيم باب المستشفى، وحاول رجال الإطفاء رش المجانين بالمياه، فرد المجانين بأن بصقوا على وجوههم وتبولوا على أجسادهم”
وفي خبر ثالث:
“قوات الجيش والشرطة قد حوصرت من المجانين”
تمكن الرعب من الجماهير، ولكنهم ما زالوا يظنون أنها دعاية سخيفة، حتى جاء الخبر اليقين في منتصف الليل، وأذاع الراديو:
“لقد فر نصف المجانين ولا يستطيع أحدهم التفرقة بين المجانين والعقلاء، حتى أن قوات الأمن ألقت القبض على رئيسها ووضعوه في مستشفى الأمراض العقلية، كما أدخلوا معه مدير المستشفى ورئيس البلدية، واكتشفوا الخطأ لاحقًا”.
ظلت الشرطة تعتقل بشكل عشوائي وتضع المواطنين في مشفى المجانين، حتى امتلأت بالعقلاء، ولم يبقى بها مجنون واحد.
وقبل أن يرحل المجانين عينوا مديرًا جديدًا عاقلًا للمستشفى ومساعدًا له، ومديرًا لأمن المستشفى، فلم يسمح المدير الجديد بمساعدة الأمن لأحد بالدخول أو الخروج من المشفى. وفي أول حوار صحفي مع  المدير الجديد؛ سأله الصحفي:
– هل تعرف أن المحتجزين في المستشفى عقلاء؟
– نعم
– من الذي عينك مديرًا؟
– المجانين؟
– ولماذا لا تخلي سبيل العقلاء؟
– الوظيفة هي الوظيفة.
أما مدير أمن المستشفى فطلب من الصحفي ألا ينشر ما سيقوله له، وقال:
– أعلم أن من بالداخل عقلاء، وأن من عينني هم المجانين، ولكني لن أفرج عنهم حتى لا يدخلني المجانين مع العقلاء.
أذاع الراديو أخبارًا تفيد بأن المجانين قد سيطروا على كل المؤسسات الحكومية، والغريب أن المجانين كانوا يضعون مديرًا عاقلًا لكل مؤسسة يسيطرون عليها، كما لم يغيروا مدير الأمن والمخابرات والنائب العام.
وأعلن أحد الجنرالات للصحف أن قوات العقلاء قد هزمت لأنها تقاوم مجانين لا يعرفون الخطط والقوانين، ولا حسابات لديهم، وأننا ندرس تصرفاتهم حتى نقاومهم بكل عقل.
لكن الجنرال انضم لصفوف المجانين عندما شعر بقوتهم.
تحولت الصحف الحكومية وبدأت تكتب لصالح المجانين، وبدأت تنشر مقالات وتقارير تمجد في الجنون، وتلعن في العقل والعقلاء.
وقبض المجانين على كل المسئولين العقلاء، وأدخلوهم مستشفى المجانين.
وأذاعوا بيانًا في الإذاعة ملخصه:
“السادة العقلاء، عاش المجانين، عاش المجانين”.
انضم من لم يُقبض عليه من الموظفين العقلاء إلى صفوف المجانين، وكانوا ينسبون أعمالهم إلى الجنون والمجانين حتى لا يدخلوا المستشفى مع العقلاء، واجتمع عدد غير من البشر في الساحات وبدأوا يهتفون:
– عاش المجانين عاش الجنون.
وبدأ العقلاء يقومون بأعمال جنونية فيمشون  على أيديهم، ويزحفون على الأرض، ويرقصون في كل مكان حتى لا يثيروا الشكوك بأنهم عقلاء.
وبدأ كل من له خلاف مع جاره بالإبلاغ عنه واتهامه بأنه عاقل.
***
في أول مؤتمر للمجانين، صاح أحدهم:
– الدستوووور.
ردد الجميع.
– الدستووووور قبل كل شئ.
وقال مجنون اقتراحه:
– هربنا من المستشفى لأن عمل العقلاء لا يعجبنا، وعلينا أن نخرب كل شئ فعله العقلاء.
وافق الجميع فورًا:
– علينا أن نخرب كل شئ، وأن نفعل عكس ما يفعله العقلاء.
– إذًا، فلتكن المادة الأولى “المجانين سيخربون كل ما فعله العقلاء، وسيفعلون عكسه”.
وافق الجميع، وصاح أحدهم:
– لتكن المادة الثانية نفسة المادة الأولى.
فوافق الجميع بكل حماس.
وقال آخر:
– لتكن المادة الثالثة وكل مواد الدستور نفس المادة الأولى.
فوافق المجانين من دون تردد، وأعلنوا دستور البلاد الجديد للعامة.
***
أراد المجانين اختيار رئيسًا للبلاد، فذهبوا إلى المستشفى وقالوا للعقلاء:
– سنختار من بينكم رئيسًا فمن يريد؟
رفع الجميع يده، ومنهم من رفع يديه وقدميه.
قال مجنون لرفاقه المجانين:
– العقلاء كما ترون يريدون أن يصيروا كلهم رؤساء، فمن منكم يريد أن يكون رئيس؟
لم يرفع مجنون واحد يده.
فسأل المجنون المتحدث أحد العقلاء:
– لماذا تريد أن تصير رئيسًا؟!
– أنا الوحيد القادر على ذلك.
قال أحدهم:
– إنه حقير، أن الأولى.
تعالت الأصوات:
– الإثنين جهلاء.
– اجعلوني رئيسًا.
نظر المجنون للمجانين وسأل أحدهم:
– هل تريد أن تكون رئيسًا؟
– لا، لأني أعتقد أن من بين أخوتي المجانين من أهم أكثر كفاءة.
تعجب العقلاء وضحكوا، وكاد أحدهم أن يبكي وهو يتوسل للمجنون:
– اجعلني رئيسًا لوجه لله، أتمنى الموت لو لم تفعل.
سأل المجنون أحد العقلاء:
– لماذا تريد الرئاسة؟
– لأنني موظف سابق ولدي خبرة.
التفت المجنون لأحد زملائه المجانين وسأله:
– لماذا لا تريد الرئاسة؟
– لأنني موظف سابق وأعلم أن الرئاسة تحتاج لجهد وعمل وليست لدي قدرة على ذلك.
سأل المجنون عاقلًا آخر فقال:
– لأني شاب، والبلد لا ينهض إلا على أكتاف الشباب.
ونظر إلى مجنون وسأله فقال:
– لأني شاب وليست لدي الخبرة.
قال المجنون للعقلاء ها أنتم ترون لا أحد من المجانين يريد الرئاسة وأشار نحو أحدهم وقال:
– ليكن هذا العاقل رئيسًا.
غضب العقلاء:
– إنه وسخ.
– إنه حقير
– إنه سافل.
قال المجنون لأحد المجانين:-  سنجعلك رئيسًا.
صرخ المجانين:
– نعم ليبقى رئيس.
– إنه متعلم.
– لديه كرامة.
رد المجنون:
– سأتحمل ذلك لأنكم أجمعتم على اختياري، لكني أريد مساعدتكم، ولو أخطأت أرشدوني إلى الصواب.
***
وهكذا لم يرشح أحد المجانين نفسه، وشُكلت الحكومة بصعوبة لأن الجميع كان يرفض المناصب، وصار المجانين يفعلون عكس ما كان يفعله العقلاء، كما أمر الدستور.
كتب أحد العقلاء كتابًا عنوانه “أعقل إنسان عرفته في تاريخ البشرية” ليمدح رئيسه الجديد.
فسأل الرئيس المجنون من حوله:
–  ماذا كان يفعل العاقل الذي قبلي لو مدحه الكتّاب:
– يمطرهم بالهدايا، ويكرمهم، ويحقق لهم الأرباح.
فجمع الشعب في الساحات وقال للكاتب المنافق:
– أيها العاقل، لقد قرأت كتابك الذي تمدحني فيه، وأشكرك كثيرًا، وقد علمت أن العقلاء كانوا يكرمون أمثالك، وبما أنني مجنون وأفعل عكس ما يفعله العقلاء. سأضربك علنا أمام جمهورك، حتى يعود الحمار من الماء! وهجم المجانين على الكاتب الذي مدح الرئيس وضربوه حتى أغشى عليه.
في يوم ذهب وزير الرياضة إلى مباراة كرة قدم، وأخبره الحكم أنه يجب تقوية أجسام الشباب ليرفعون شأن البلد.
قال:
– ولكني لا أرى سوى 22 شابًا، ماذا عن الـ60 ألفًا الذين يشاهدوا المباراة؟
ونظر إلى أحد المشاهدين الذي انتفخ جسده وقال:
– أرى جسدك رشيقًا.
وقال لرجل ضعيف:
– أرى الرياضة قد نفعتك.
وأعطى أمرًا للمشاهدين بالنزول إلى الملعب ليلعبوا كرة القدم حتى سقطوا على الأرض من شدة التعب.
وفي يوم ذهب أحد الوزراء لاجتماع فصفق الحضور، واندهش الوزير وسألهم عن سر التصفيق؟!
– لأنكم حضرتم يا أفندم.
– أنا حضرت على قدمي مثلكم ولم أكن طائرًا كالعصفور.
وفرض عليهم عقوبة التصفيق 24 ساعة كاملة.
ذات يوم ذهب أحد المجانين إلى ملهى ليلي، ووجد فتاة عارية ترقص فسأل المشاهدين:
– ماذا تشاهدون؟
– فتاة عارية.
– هل جئتم إلى هنا لهذا السبب؟
– نعم
– كم دفعتم من أجل ذلك؟
وكان منهم من دفع خمسين، ومن دفع مائة، ومن دفع خمسمائة.
تعجب المجنون وسأل العقلاء:
– هل هذا الجسد مميز عن باقي أجساد الفتيات؟ أم أنها ستخرج أرنبا من بين قدميها؟ أليس عيبًا ما تفعلوه.
– لا يا أفندم ليس عيب، الجسد العاري يسبب لنا هيجانًا ممتعًا.
قال المجنون:
– فهمت، أنتم على حق، وأنا آمركم جميعًا بأن تحضروا زوجاتكم وبناتكم إلى هنا، كي يتعرين ويتمايلن على الموسيقى، حتى ترتفع نسبة الهيجان الممتعة وتعم الفائدة.
ولما تحايل عليه الجميع وكادوا أن يبكوا كي لا يفعل، أمرهم بخلع ثيابهم وأن يصعدوا على المنصة  ويرقصوا عراة على أنغام الموسيقى.
وفي يوم اجتمع المجانين ليبحثوا عن أي شئ فعله العقلاء كي يخربوه فوجدوا أنهم خربوا كل ما فعله العقلاء، وقرروا العودة إلى مستشفى المجانين بعدما أدوا مهمهتم.
لما علم الناس بكوا وظلوا يتوسلون للمجانين:
– لا تتركونا للعقلاء.
– أليس في قلوبكم رحمة؟
لم يستجب المجانين للضغوطات، ورجعوا إلى المستشفى، وعاد العقلاء للحكم، وبدأوا في إصلاح ما خربه المجانين،  ولم يحدث هذا بسهولة، لأن الشئ الذي يخربه المجنون يصلحه العاقل في أربعين عامًا.
والآن بقيت هناك بعض الأعمال الحسنة في المدينة، هي ثمرة من كانوا يحسبونهم مجانين.
القصة  بتصرف لـ”عزيز نيسين” رحمه الله، وعنوانها “المجانين الهاربون”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s