جوعى للعدل… 12 يضربون عن الطعام في سجون مصر طلباً للحرية

رصيف22

الحرية حلم يناضل من أجله اثني عشر مُضرباً عن الطعام بين جدران السجون المصرية، جميعهم على ذمة الحبس الاحتياطي لا يعرفون مصيرهم، وفضلوا المضي في طريق الموت على أن يبقوا أحياءً من دون أمل الحرية.

بعد أسابيع قليلة من فض اعتصامَيْ رابعة العدوية والنهضة، وقّع رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور في 25 أيلول/ سبتمبر 2013 قراراً بتعديل قانون الإجراءات الجنائية، وصدر القرار الجمهوري بقانون رقم 83 لسنة 2013 فأصبح بموجبه الحبس الاحتياطي في قضايا الجنايات مفتوحاً بلا سقف حسب السلطة التقديرية للقاضي.

ووُجه التعديل باعتراضات حقوقية واسعة دفعت الدولة إلى توضيح أن المادة باقية كما هي في وضع حد أقصى للحبس الاحتياطي لا يزيد على العامين، وأن المادة المعدلة حصرت هذا الحق بالقضاة في القضايا المحكوم فيها بالإعدام فقط، إلا أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصدت تمسك قضاة بعض دوائر الجنايات بالمادة 380 من القانون نفسه التي لا تضع سقفاً للحبس الاحتياطي من دون قيود، كما رصدت ومنظمات حقوقية أخرى ظاهرة فريدة تسخدم ضد كل من مارسوا المعارضة يوماً سواء عبر العمل السياسي التقليدي (الحزبي) أو عبر المشاركة في الثورة، أو حتى عبر التعبير عن اعتراضهم على أية إجراءات رسمية في حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الظاهرة باتت معروفة في البيانات الحقوقية الدولية باسمها المصري: “التدويرRecycling – “.

“التدوير” للجميع

يعني التدوير الذي بات مصطلحاً معروفاً في الأوساط الحقيوقية الدولية أن تسجن جهات التحقيق والسلطات الأمنية المتهمين احتياطياً بموجب الاتهامات نفسها لدى انتهاء المدة القصوى للحبس الاحتياطي، ولكن على ذمة قضية تحمل رقماً جديداً.

وباتت السلطات تستخدم الحبس الاحتياطي بديلاً لـ”الاعتقال الإداري” الذي ارتبط بقانون الطوارئ قبل إلغائه بقرار من المحكمة الدستورية في 2 يونيو/ حزيران 2013. إذ يحتجز من تجد فيهم السلطات ميولاً معارضة مدداً طويلة بموجب اتهامات مكررة، منها “الإنضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، تكدير السلم العام، نشر الأخبار الكاذبة”. ووصل الحبس في بعض الحالات “نتيجة انتهاج سياسة التدوير” إلى ما يزيد على أربع سنوات من دون إحالة المتهمين إلى المحاكمة، وغالباً يقضي المتهمون فترة الحبس من دون تحقيقات جادة تواجههم بأدلة إدانتهم، كما حدث في حالة علاء عبد الفتاح ومحمد الباقر ومحمد أكسجين، الذين فوجئوا بأحراز الاتهامات عندما أحيلوا أخيراً لمحكمة أمن الدولة العليا، قبل ساعات من إلغاء عمل المحكمة نفسها بموجب وقف تمديد قانون الطوارئ.

الحل الأخير

في تصريح لرصيف22 أكد المحامي نبيه الجنادي ارتفاع عدد من أضربوا عن الطعام في السجون المصرية في الوقت الحالي إلى 12 سجينًا، لم يعرف منهم  سوى أربعة سجناء. يقول الجنادي: “إدارة السجن رفضت إثبات إضرابهم عن الطعام رسمياً، كما رفضت إخطار  النيابة العامة للتحقيق، مما يعرض حياتهم للخطر”.

المضربون عن الطعام في سجن المزرعة  في طرة، والمعروفة أسماؤهم هم “الطبيب وليد شوقي، وأحمد ماهر ريجو، والناشط السياسي عبد الرحمن طارق موكا، والشاعر جلال البحيري”.

ويعلق الجنادي: “12 إنساناً قد تنتهي حياتهم في أي لحظة. طلبهم الوحيد والمنطقي هو حريتهم لا شيء آخر”.

هذه الأنباء عن إضراب 12 سجينًا تم تأكيدها بعد زيارة الصحافية هبة أنيس لزوجها الطبيب وليد شوقي. إذ كتبت: “أبلغني وليد أنهم (المضربون عن الطعام) 12، لكننا لا نعرف كل الأسماء”.

الامتناع عن الطعام حق اعترفت به المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر، ويقع تحت بند المقاومة السلمية التى يحق للسجناء اللجوء إليها. معارك الأمعاء الخاوية قديمة كقدم الدول، عابرة للمكان والزمان، لجأ إليها الأسرى في  فلسطين ضد قوات الاحتلال، وعرفتها سجون مصر جيداً. وفيها، يمتنع السجين عن تناول كل أنواع الطعام، ويكتفي بشرب الماء والقليل من الملح حتى يحفظ معدته من التعفن. معركة يترتب عليها مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى توقف الأنفاس، وهو سلاح إن قتل فلا يقتل سوى صاحبه.

بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في بيان سابق لها عند إضراب سجين عن الطعام يجب “تحرير محضر بالواقعة من إدارة السجن يرسل إلى النائب العام” وتضيف المبادرة أنه في “كثير من الحالات تتجاهل إدارات السجون وقطاع السجون بوزارة الداخلية إضراب السجناء عن الطعام، وتضغط عليهم لتعليق الإضراب أو تجبرهم على تناول الطعام بالقوة”.

السجن أقوى مننا

“كان نفسي أوعدك مبعدش عنك لكن للأسف في حاجات أقوى مننا في الدنيا، زيّ السجن وزي الموت”، من رسالة كتبها الطبيب وليد شوقي في سجنه إلى ابنته. وهو بدأ إضرابًا مفتوحًا عن الطعام منذ 11 فبراير/ شباط الماضي، رفضاً لاستمرار اعتقاله من دون محاكمة نحو ثلاث سنوات على ذمة قضيتين سياسيتين.

اعتُقل شوقي في 14 اكتوبر/تشرين الأول عام 2018، وظل ضمن المختفين قسرياً، حتى ظهر في نيابة أمن الدولة بعد أربعة أيام متهماً بالانضمام لجماعة إرهابية، وتعمّد نشر بيانات وأخبار كاذبة. ظل رهناً للحبس الاحتياطي بموجب القضية 621 لسنة 2018 نحو 22 شهراً، وصدر قرار بتخلية سبيله قبل شهرين من انتهاء الحد الأقصى الذي حدده القانون للحبس الاحتياطي. إلا أن السلطات الأمنية امتنعت عن تنفيذ القرار وظل محتجزاً في مكان مجهول (إخفاء قسري للمرة الثانية) شهراً، قبل أن تعيد “تدويره” في قضية جديدة بنفس الاتهامات السابقة، حملت رقم 880 لسنة 2020 حصر تحقيق أمن الدولة.

تقول زوجته هبة: “في القضيتين الأولى والثانية، وُجّه له اتهام الانضمام إلى جماعة إرهابية من دون أن تحدد النيابة ما هي الجماعة […] واتهم أيضاً بالمشاركة في تظاهرات 20 سبتمبر، رغم أنه كان قيد الحبس الاحتياطي وقت خروج هذه التظاهرات”.

ويؤكد المحامي نبيه الجنادي أن شوقي كان “محتجزًا خارج إطار القانون أكثر من شهر بعد تخلية سبيله في مكان غير معلوم”، وأن كل الاتهامات التي وجهت ضده “لا دليل عليها سوى محضر تحريات الأمن الوطني”. وبحسب الجنادي وصف شوقي هذا الشهر الذي تعرض فيه للاختفاء القسري بأنه “أصعب 100 مرة من الحبس سنتين”، إذ تعرض شوقي بحسب محاميه إلى “ستر عينيه ووضع الحديد في يده وربطه بالحائط، وكان يسمح له بدخول الحمام مرة واحدة في اليوم”.

سألنا زوجته هبة أنيس إذا كان لنقابة الأطباء دور في دعمه، فقالت: “النقابة لم تتدخل رغم أننا حاولنا التواصل معها أكثر من مرة”، وإن “نقيب أطباء الأسنان يرى أن النقابة لا يمكنها التدخل في أي قضية سياسية”،  مضيفة: “هناك حالات مشابهة لحالة وليد، لكن النقيب عادة لا يتدخل”.

 وماذا عن حالة زوجها النفسية؟ ردت أنيس أنها “سيئة للغاية”، وأن استمرار حبسه والتجديد المستمر من دون محاكمة “أحبطاه وجعلاه يشعر أن هذا الوضع متواصل إلى ما لا نهاية”.

موكا… محاولة انتحار وثلاث قضايا

“هنا في سجن طرة تحقيق يسلبون المعتقلين الغطاء الذي يستدفئون به، أتتخيلون أنهم يمنعون الغطاء ودخول الملابس في هذا البرد القارس؟ وكل ثلاثة أشخاص يضعون فوقهم بطانية واحدة؟ أتعلمون أن الضابط إذا لم يعجبه شخص يضعه في غرفة الدواعي الأمنية (الحبس الانفرادي)، هذه الغرفة لا يسمح فيها إلا بالملابس الداخلية وبدلة السجن”. هذا المقطع ورد في رسالة موكا عام 2015. وهو الآن يتعرض للظروف القاسية ذاتها، إذ ما زال في السجن لأسباب سياسية.

بدأ عبد الرحمن طارق المعروف بـ”موكا” إضرابه عن الطعام في 11 فبراير/ شباط المنقضي. هذه ليست المرة الاولى يلجأ فيها للإضراب طلباً للحرية. إذ كان قد أضرب عن الطعام للمرة الأولى في 3 ديسمبر/كانون الأول 2020، أثناء احتجازه بقسم عابدين، بعد ضمه المفاجئ إلى القضية رقم 1056 لسنة 2020، بالاتهامات المعتادة: “الانضمام إلى جماعة إرهابية، وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب”، وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يتم تدويره فيها على ذمة قضية جديدة. واستمر إضرابه وقتذاك 50 يوماً، تجاهلته خلالها السلطات.

 بحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، يعود حبسه على ذمة القضية الأخيرة إلى 21 سبتمبر/ أيلول 2020، إذ حصل على حكم بتخلية سبيله قيد التدابير الاحترازية، لكن القرار لم ينفذ، وظل مختفياً 60 يوماً ثم ظهر على ذمة قضية جديدة بنفس الاتهامات التي سبق أن وجهت له في القضية المخلى سبيله على ذمتها.

 بدأ موكا رحلته مع التدوير بعد حبسه للمرة الأولى في 9 سبتمبر/ أيلول 2019، أثناء تمضيته عقوبة المراقبة في قسم شرطة قصر النيل عقب إنهاء عقوبة الحبس في “أحداث مجلس الشورى”، التي تعود إلى عام 2013 وكان ضمنها الناشط السياسي علاء عبد الفتاح.

اختفى موكا وقتذاك من محيط قسم قصر النيل. وظل مختفياً حتى ظهر على ذمة القضية 1331 لسنة 2019، لتبدأ قصته من جديد مع الحبس الاحتياطي الممتد على ذمة قضايا متعددة، يعاد تدويره بموجبها. تنتهي مدة الحبس الاحتياطي في قضية، فيدخل في أخرى.

في مارس/ أذار 2021، حصل على قرار تخلية سبيل امتنع الأمن عن تنفيذه، واعيد تدويره في قضية ثالثة.

بحسب صفحة الحرية لعبد الرحمن طارق موكا: “حاول طارق الانتحار في زنازنة التأديب، وتم إنقاذه في اللحظات الأخيرة”. ووصفت الصفحة التي تديرها عائلته زنزانة التأديب التي احتجز فيها بأنها “غرفة صغيرة تكفي لفرد واحد،ج. لا يوجد فيها هواء إلا من خلال شباك صغير في باب الزنزانة”، وأن الطعام المسموح بدخوله “قطعة خبز وغرامات من الجبن وزجاجة ماء”، وأن “لا حمام في الغرفة”.  

ريجو: “سامحيني يا أمي”

أحمد ماهر الشهير بـ”ريجو” هو ناشط سياسي وأحد مسؤولي حملة ترشح الفريق سامي عنان لرئاسة الجمهورية. قبض عليه في مايو/ أيار 2020 واختفى قسرياً نحو سبعة أيام، ظهر بعدها على ذمة التحقيق في القضية رقم 586 لسنة 2020 حصر أمن الدولة.

وجّهت له نيابة أمن الدولة اتهامات تمثّلت في “مشاركة جماعة إرهابية مع العلم والترويج لأغراضها، وإساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي ونشر وبث وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة”.

يقول المحامي ممدوح جمال لرصيف22 إن والدة ريجو علمت بشأن إضرابه عن الطعام في العاشر من فبراير/ شباط المنقضي، وحاولت بشتى الطرق إقناعه بالتراجع، لكنه أبى.

لاحقاً، أرسلت أسرته تلغرافات رسمية إلى كل من النائب العام، ومدير قطاع الإصلاح والتأهيل بوزارة الداخلية (قطاع السجون)، ومدير قطاع حقوق الإنسان بالوزارة نفسها، ورئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لإخطارهم بإضراب ابنها عن الطعام.

ويضيف المحامي جمال: “في أكتوبر 2020 قررت المحكمة إخلاء سبيل ريجو، وهو الأمر الذي يدل على أنه لا يوجد دليل مادي واحد يثبت إرتكابه جريمة تذكر”. ويكمل: “لم تستجب وزارة الداخلية قرار محكمة الجنايات، وفوجئت أسرة ريجو أنه غير موجود بقسم الشرطة التابع له. وبعد عدة أيام، ظهر في نيابة أمن الدولة العليا وتم التحقيق معه فى القضية رقم 855 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا، وحتى الآن لم يتم إخلاء سبيله”.

عيب قانوني

ويرى المحامي نبيه الجنادي أن الحبس الممتد لكل من وليد شوقي، وأحمد ماهر، وعبد الرحمن طارق، “لا يخلو من عوار قانوني واضح”، ويعدّد أوجه هذا العوار: “الثلاثة تم تدويرهم في عدة قضايا، وهذا مخالف للقانون. وثلاثتهم حصلوا على حكم بإخلاء السبيل، وتم احتجازهم على خلاف القانون في مقر الأمن الوطني أو قسم الشرطة، ثم وجهت إليهم نفس الاتهامات في القضايا التي تم اخلاء سبيلهم على ذمتها”.

ويؤكد أن عدم تقديمهم للمحاكمة بعد كل تلك السنوات دليل على براءتهم. يقول: “النيابة كسلطة تحقيق لم تتمكن من إثبات الاتهامات التي وجهت إليهم. لو لدى النيابة أي دليل لأحالتهم للمحاكمة لتدينهم المحكمة أو تخلي سبيلهم، لكن هذا لم يحدث”.

كيف تتآكل أجساد المضربين عن الطعام؟

بحسب موقع الصحة ويب طب: “بعد الإضراب عن الطعام يبدأ المضرب في الأسبوع الثالث بالهلوسة والخرف نتيجة بدء تضرر الدماغ. ثم بعد أربعة أسابيع من الإضراب، تبدأ خلايا العضلات في الانهيار نتيجة استهلاك البروتين كمصدر طاقة بالجسم بعد الانتهاء من مخزون الدهون”. ويضيف: “العظام أيضاً تُصاب بالضعف بعد أربعة أسابيع تقريباً. لكن الأخطر هو احتمال حدوث ضرر دائم في الدماغ. فالدماغ يتغذى على الغلوكوز وهو غير موجود في الأسبوع الخامس، إلى جانب نقص المعادن اللازمة لحماية الأعصاب وتأمين الدهون الضرورية لانتقال سيلان الأعصاب”. ويؤكد الموقع العلمي ذاته أنه قد يحدث “فشل في عمل أعضاء الجسم الداخلية بعد تضررها” وقد تنته هذا الرحلة الصعبة بالوفاة.

يذكر أن وزارة الداخلية أعلنت قبل سنتين وفاة مصطفى قاسم، (أمريكي الجنسية من أصل مصري) في السجن. وذلك بعد إضرابه عن الطعام بشكل متكرر في محاولة لنيل حريته، إذ جرى حبسه احتياطياً بالطريقة نفسها منذ سبتمبر/ أيلول 2018.

كان قاسم البالغ من العمر 54 عاماً مضرباً عن الطعام، ثم أضرب أيضاً عن تناول السوائل يأساً، وهذا ما أدى إلى وفاته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s