أليست البنوك الحافظة لأموال منتهكي حقوق الإنسان مشاركةً في ما يفعله عملاؤها؟

رصيف 22

لدينا لصوص في الحكم. هذه معلومة عادية لا تجعل عربياً أو إفريقياً يشعر بالدهشة. متى لم يكن لدينا لصوص في الحكم؟ هل حكمنا سواهم؟ هذا سؤال منطقي. جنرالات ولصوص، دعاة دين ولصوص، مدّعو ديمقراطية ولصوص… يبدو أن كونك لصاً يؤهلك للوصول إلى منصب مهم بسرعة.

يدّعون أنهم متدينون، وربما هم فعلاً متدينون ولا يتركون صلاةً، ثم يسرقون بعد أن يخرجوا من الجامع. علاء مبارك كاد أن يخطب خطبة الجمعة على تويتر، رداً على ما قاله إبراهيم عيسى في مسألة الإسراء والمعراج، وفي اليوم التالي كُشف رقم بسيط من ملايين الدولارات التي يحتفظ بها في سويسرا.

هذا حقاً ليس مفاجئاً. منذ 2011 والشعب المصري يعرف جيداً أن هناك مليارات سرقتها عائلة مبارك ومن معها.

تسريب هائل لبيانات 18 ألف حساب في “كريدي سويس”، أحد أكبر البنوك الخاصة في العالم؛ عملاء هذه الحسابات مجرمون ومحتالون وسياسيون فاسدون ومسؤولون سابقون متورطون في التعذيب وتجارة المخدرات والإتجار بالبشر وغسل الأموال، وبينهم طبعاً أبناء مبارك. متى لم تكن عائلة مبارك من بين أشهر اللصوص في العالم؟

افتتح علاء وجمال مبارك أول حساب مشترك في “كريدي سويس” عام 1993. مع مرور الوقت، أصبحا يمتلكان ستة حسابات، أحدها بلغ رصيده نحو 196 مليون دولار عام 2003. وعام 2010، العام الذي سبق ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، بلغ رصيد حساب يملكه علاء 188 مليون دولار. حسين سالم الذي عمل مستشاراً اقتصادياً، لديه حسابات عدة أحدها وصل إلى 79.3 مليون دولار عام 2003. رئيس المخابرات السابق عمر سليمان وأحد المقربين إلى عائلة مبارك لديه حساب بلغ رصيده 35 مليون دولار عام 2007.

إن الرقم الصغير الذي تم كشفه في حساب واحد من حسابات جمال وعلاء مبارك، وبحسبة بسيطة، يكفي لبناء 75 ألف بيت في مخيمات اللاجئين السوريين. هذه التكلفة بناءً على حسبة منظمة Human Appealالتي قالت إن بناء بيت في مخيمات اللاجئين السوريين سيكلف نحو 2،500 دولار.

إن غالبية الأشخاص الذين تسربت بياناتهم من البنك السويسري، يأتون من دول إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا الجنوبية، فيما لا يشكل المودعون الذين يقيمون في أوروبا سوى 1% من المجموع، وفق “لوموند”.

رداً على التسريبات التي أُعلن عنها، أصدر مصرف كريدي سويس بياناً يوم الأحد 20 شباط/ فبراير الجاري، قال فيه إنه يرفض المزاعم والتلميحات حول الممارسات التجارية المزعومة للمصرف، وإن “البيانات المعروضة هي في الغالب تنتمي إلى الماضي”، وكأن قِدم هذه البيانات يعفي البنك من جريمته! ثم ماذا عن الحاضر؟ أليس حاضركم ممتلئاً بحسابات اللصوص والسياسيين الأثرياء؟!

لقد تورط بنك “كريدي سويس” في عدد من الفضائح، ووافق على دفع 475 مليون دولار للسلطات الأمريكية والبريطانية لتسوية تحقيق في مخطط عمولات ورشاوى في موزمبيق. كما أن المحكمة الجنائية الفدرالية في بيلينزونا كانت تنظر في وقت قريب في قضية اتُّهم فيها كريدي سويس بالسماح لمهرّبي مخدرات من بلغاريا بغسل أموال مُكتسبة بصفة غير شرعية.

تقول الأرقام إن ما بين “50 و300 مليار دولار يتم غسلها سنوياً، أي بنسبة 5% من الناتج العالمي”، بمساعدة هذه البنوك. وفي تقديرات مجموعة بنك ناسيونال دوباري الفرنسية، تم غسل 860 مليار دولار خلال عام 2002، نسبة 1% فقط منها تم اكتشافها. أما في سويسرا وحدها، فمنذ منذ عام 2016، تقوم المؤسسات المصرفية بتبليغ مكتب الاتصال المسؤول عن قضايا غسيل الأموال تُقدّر بـ12 إلى17 ملياراً من الأصول المشبوهة سنوياً.

كشفت صحيفة تريبون دي جنيف الصادرة بالفرنسية، أنَّ العديد من التحقيقات التي فتحتها شرطة زيورخ تُظهر مدى النهب الذي يمارسه النظام البوليفاري. وكشف المحققون تدفقات أموال مشبوهة تصل إلى نحو تسعة مليارات فرنك. وحسب المعلومات الواردة في اليومية الصادرة في جنيف، تمَّ توزيع الأموال على مئات الحسابات المفتوحة في نحو 30 مصرفاً سويسرياً. وبهذا، يكون بنك من كل ثمانية بنوك مشارك في هذه الجرائم.

ترى منظمة الشفافية الدولية أنَّ الترسانة التشريعية لمكافحة غسيل الأموال غير كافية، وأنَّ الكثير من البنوك لا تحترم التزاماتها بتوخي الحذر ولا تفي بواجبها في إبلاغ السلطات عن شكوكها.
السؤال الذي يراودني وأزعم أنه يراود كثيرين ممن تُسرق أموالهم لتوضع في حسابات بنكية سويسرية: أليست البنوك التي تحفظ أموال اللصوص والمجرمين ومنتهكي حقوق الإنسان مشاركةً في ما يفعله عملاؤها؟ أليست هذه البنوك مشاركةً بشكل غير مباشر في كل نهب لثروات الشعوب، وفي كل انتهاك لحق إنسان، طالما أنها تسمح للمجرمين واللصوص وتجار المخدرات بفتح حسابات سرية لديها من دون مراجعة وتحت مسميات قانونية؟

إنها البنوك ذاتها التي تسمح للمجرمين بفتح حساب فوائده من دماء الشعوب، بينما ترفض أن تفتح حساباً للاجئٍ يحاول أن يبدأ حياته من جديد. إن هذه البنوك لا تخالف القانون حسب تصريحاتهم الدائمة، بل إنهم يخالفون الإنسانية. وللأسف هذه البنوك مقرّاتها في بلاد تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وكأن الديمقراطية خُلقت لشعوب دون أخرى…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s