هُنا عليك أن تنسى اسمك القديم، اسمك الآن 106… عن “الجماعة اللي تحت”

رصيف 22

كتبت عن سجني الأول كثيراً، لإيماني بأنه يقتضي عليّ أن أوثق ما رأيته كوني صحافياً. كنت خائفاً من عواقب الكتابة، لكني لم أفكر في التراجع. آمنت بأن من يعمل في الصحافة في بلد عسكري، لا بد أن ينسى مسألة العيش في سلام، وأن يمحو من ذاكرته الصحافة التي يراها في الأفلام؛ لن تجلس على مكتب أكثر مما ستجلس على “برش” الزنزانة. لا بد أن تعلم أن حياتك معرضة للخطر، أو حريتك على أقل تقدير، لا سيما إن لم تكن من داعمي القمع، أو من متلقي الرسائل الأمنية لنشرها… هكذا قلت لنفسي.

لم أكن شجاعاً جداً كما ظنّ البعض؛ كنت خائفاً إلى ما لا نهاية. أحياناً أرتعد من كل شيء في هذا الوطن، صغيراً كان، أم كبيراً، وأُراقِب مَن حولي كلهم لا إرادياً، وأشك فيمن يمرّ بجانبي، وأُحدّق في كلّ سيّارة، وأظُنها جميعها تطاردني. قررت الاستمرار في الكتابة، والتعايش مع الخوف.

كتبت عن تحقيق الأمن الوطني معي، مرات عدة، بعد إحداها استدعاني الأمن، ورفضت الاستدعاء خائفاً. حاولت إقناع نفسي بأن ما فعلته كان صحيحاً. “هذا ليس استدعاء قانونياً”، هكذا قلت لمن يهاتفني. هددني، فهيّأتُ نفسي للسجن مجدداً. أعلم جيداً كيف هي حياة السجون، وكيف هي زنزانة التأديب، وكيف أتعايش مع حشراتها، وكيف أنام في أقسام الشرطة، واقفاً أو جالساً، وأعلم كيف أتفادى ضربات العسكريين في التشريفة. ويمكنني تحمل قسوة سيارة الترحيلات المميتة، ورائحتها الكريهة، وتكدسها الخانق. لا داعي للقلق، سأترك الأمور لأوانها. الآن لديّ فرصة للكتابة، وغداً لديّ فرصة للبكاء وقتما تُقيّد حريتي مجدداً.

لم أعلم أن الأمور قد تتخطى السجن؛ حاول مجهولان قتلي أمام مترو جامعة القاهرة، وكادت رئتي أن تتوقف؛ أجرى الأطباء لي عمليتين جراحيتين إحداهما في مستشفى بولاق الدكرور، والأخرى في مستشفى أحمد ماهر؛ نجوت من الموت بأعجوبة، لكني لم أنجُ من القمع بعد.

عملت مع مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، وأعددت تقريراً عن جزيرة الوراق، وما حدث فيها، ولم يتم استدعائي. لكن الأمن سأل بعض زملائي الذين شاركوا في تغطية أحداث جزيرة الوراق، عن علاقتهم بي، وكيف ساعدوني في إعداد التقرير، وكانت هذه رسالة خوف أخرى.

للتوثيق ثمن يدفعه كثيرون. لقد سجنوا علاء عبد الفتاح مجدداً، لأنه لم يتوقف عن التوثيق والكتابة، وسجنوا شقيقته سناء للسبب ذاته. يمكن أن نبقى مقموعين إلى الأبد؛ هذا ليس تشاؤماً، هذا واقع، لكن لا يمكن أن تبقى هناك رواية واحدة للأحداث، ولو حُجبت المواقع كلها، وغُلّقت الصحف والقنوات غير التابعة، وسُجن كل صحافي، أو مدافع حقوقي، أو صاحب رأي.

عملت سابقاً من دون أجر، كي أنضم لنقابة الصحافيين. كان بعض زملائي يسخرون من إصراري على الالتحاق بالنقابة. شاركتهم السخرية، وضحكت على نفسي، لكني أؤمن بأن النقابة حق لي، وحق لمن يعملون في الصحافة كلهم. كانت محاولة مني للاستمرار في العمل الصحافي في بيئة تعادي الصحافة، وللبحث عن حماية نقابية، كي أستطيع العمل بشكل قانوني، لأن الدولة ترى أن أعضاء النقابة فحسب، هم من يحق لهم العمل في الصحافة، لكن الحقيقة أن من ليس معهم، لا يحق له العمل.

لا أحب أن أسافر إلى خارج مصر، ودائماً كنت أخشى من اللحظة التي قد أقرر فيها أني لن أعود إلى مصر مُجدّداً، وهذه ليست شعارات، فأنا أحب أشياءً بسيطة، كالجلوس في مقهى شعبي، ودعوة الأهل إلى الطعام، وسهرة الأصدقاء، وممارسة الأمل واليأس دائماً. قررت النقابة تأجيل قيدي، من دون سبب يُذكر، على الرغم من استيفائي الشروط كلها. التزمتُ الصمت، وسافرت إلى تونس في عام 2018، قاصداً التدرب على الصحافة الاستقصائية، وصحافة البيانات، بدعم من منظمة دولية. وبعد أشهر، عدت إلى مصر للالتحاق بنقابة الصحافيين مُجدداً.

 أحياناً أرتعد من كل شيء في هذا الوطن، صغيراً كان، أم كبيراً، وأُراقِب مَن حولي كلهم لا إرادياً، وأشك فيمن يمرّ بجانبي، وأُحدّق في كلّ سيّارة، وأظُنها جميعها تطاردني. قررت الاستمرار في الكتابة، والتعايش مع الخوف

مرحباً بكم في مطار القاهرة

أردت البقاء في مصر، وأرادت جهة ما أن أكون في سجونها، وأن تعطيني فُرصاً أخرى للتفكير في مسألة تمسكي بهذا الوطن، وأن تأخذني في رحلة قاسية إلى أحد مقرات الأمن الوطني، كي أشهد ما يحدث فيها. لم أرَ تعذيباً منهجياً من قبل، ولم أسمع صراخ المعذبين كل ليلة، لكن الأمن شاء أن أفعل. عايشت بعض الأحداث القاسية في السجن السابق، لكنها لم تكن، على الأقل، يومية، ولم تكن منظمة.

هبطت من الطائرة، في التاسع والعشرين من كانون ثاني/ يناير 2019، ولم أرغب بالتخلي عن معطفي، على الرغم من أن الجو كان حاراً. شعرت بأنني سأحتاج إليه في ما هو قادم، ولا أدري ما الذي جعلني أشعر بأنني لن أخرج من مطار القاهرة إلى بيتي. تذكرت أنه في السجن الأول، تخلل البرد إلى جسدي، وتآكلت عظامي، وأن أهلي لم يتمكنوا من زيارتي إلا بعد نحو ثلاثة أسابيع. أُصبت في السجن الأول بآلام حادة، وانزلاقات في الظهر، ولم أتعافَ منها حتى الآن. فكرت في هذا كله، عندما سألتني زوجتي عن سبب ارتدائي المعطف! فكرت في أنني ربما لن أجلس أمام لجنة القيد في نقابة الصحافيين، وأن الجلوس على “بُرش” الزنازين هو الأقرب.

مرّت زوجتي بسلام، وجاء دوري، وحدث المتوقع. رفع الضابط الهاتف، وكان مكبر الصوت يعمل:

ضابط الختم: “رقم 67 معايا يا باشا”.

قال الصوت المتلقي للضابط اسمي كاملاً، فأكده ضابط الختم.

أنا الآن مطلوب للعدالة؟! أي عدالة؟ إنها عدالة ميزانها مائل جداً. مطلوب لدى جهاز أمني لا يعرف عن القانون شيئاً، ولا يأبه إلا لأن يكون أمناً للدولة، والدولة في نظره هي الحاكم. حاولت أن أرسل لزوجتي ابتسامات باهتة لأطمئنها، وفي داخلي طفل يبكي بصوت عالٍ. أفكر في النقابة، وفي عائلتي، وفي أصدقائي الذين ينتظرون خارج المطار. أتساءل: هل سيكون مكاني معلوماً؟ أم أن مصيري كمصير مصطفى النجار، وأشرف شحاتة، وماصوني، الذين تبخروا، ولا يُعرف لهم طريق؟!

“أنا آسف”. هكذا قلت في نفسي، وأنا أنظر إلى عينيّ زوجتي مباشرة، وأعلم أنها لن تهدأ بعد هذه اللحظة.

جاء مُخبر بلباس مدني، وتحفظ على جواز سفري، وعليّ شخصياً. حَاوَلَت زوجتي أن تهرول خلفي، لكن المخبر أمرها بالخروج من المطار.

اصطحبني إلى مقر احتجاز داخل المطار، شبيه بقسم الشرطة، لكنه عالم آخر غير عالم المطار. سجن صغير لجنسيات مختلفة. جلست على أريكة أمام مكتب استقبال يجلس فيه أمين شرطة، وانتظرت كثيراً، ولم يعطني أحدهم معلومة. ما رأيته أعطاني معلومات؛ سيدات محتجزات مع أطفالهن منذ أيام لا أعلم عددها. إحداهن تتوسل إلى رجل أمن ما بيده حيلة؛ إنها تريد حليباً، وطعاماً لطفلها الذي يبكي من دون توقف. تريد أن تتحدث مع من أسمته “الباشا”، وتحاول استعطاف الأمين قائلة: “بقالك أربعة أيام بتجيب لبن قليل”.

بعد ساعات لا أعلم عددها، طَلبْتُ إجراء مكالمة هاتفية؛ لا أدري من كنت سأهاتف؟! لكن أمين الشرطة رفض، وقال إنه يمكنني استخدام هاتف أي شخص يجلس في جواري، وإنه ليس هناك داعياً للقلق لأن كثيرين سوف يمرون من هنا للسبب نفسه الذي أنا هنا من أجله. وختم كلامه قائلاً: لا تخبر “الباشا” أنني قلت لك هذا. بعد قليل، رد الأمين على مكالمة تبدو أنها تخصني، اصطحبني بعدها إلى زنزانة كبيرة في المكان ذاته.

حسناً، هذا سجن، وليس مطاراً. غرفة فيها أسرّة فوق بعضها، وأرائك مبعثرة هنا وهناك، ودورة مياه رائحتها نتنة، والمياه فيها ضئيلة، ومحابس المياه غالبيتها لا تعمل، وعشرات الأشخاص، من مصر، وفلسطين، وسوريا، وبعض الأفارقة. لا مكان هنا سوى للضعفاء على ما يبدو. علمت من الفلسطينيين أنهم كلما مروا من مطار القاهرة، يحتجزهم الأمن حتى يأتي قنصل السفارة الفلسطينية لاستلامهم؛ أحدهم كان في المكان ذاته منذ ثلاثة أسابيع تقريباً، حسبما قال لي، وهناك أيضاً سوريون، منهم طالبو لجوء يحتجزهم الأمن منذ أيام، لأنه تجري عنهم تحريات، وبعض المصريين، منهم من كان ذاهباً إلى اليونان بحثاً عن عمل، ومنهم من اتهمه الأمن بأنهم زوّروا تأشيرة دخول إلى أوروبا، لكنهم لم يحوَّلوا إلى النيابة، ولم يذهبوا إلى أوروبا؛ إنه هنا منذ 36 يوماً!

شعرت أنني لن أخرج الآن في ظل وجودي مع هؤلاء السجناء، والأمور لن تكون بخير أبداً. في الثامنة مساءً تقريباً، نادى أحدهم باسمي، وكان موعد التحقيق الأول معي أمام ضابطين من الأمن الوطني.

سألني الضابط عما كنت أفعله في تونس، فأخبرته أني كنت أعمل في موقع صحافي، وأتدرب على الصحافة الاستقصائية. لم يعلم الرجل ماذا تعني الصحافة الاستقصائية، ويبدو أن رجال الدولة الذين قابلتهم، كلهم لم يفهموها، من ضابط المطار، إلى وكيل النيابة الذي طلب مني أن أتهجّى الكلمة حرفاً حرفاً!

سألني الضابط عن تفاصيل قديمة جداً، وربما عشوائية؛ هل شاركت في ثورة كانون الثاني/ يناير؟ ما علاقتك بحركة شباب 6 أبريل؟ والاشتراكيين الثوريين؟ ما هو نوع الصحافة التي تكتبها؟ ما علاقتك ببعض منظمات المجتمع المدني، والمدافعين عن حقوق الإنسان؟ سألني عن بعض الصحافيين بأسمائهم، وبعض المدافعين عن حقوق الإنسان، وعن رأيي في التعديلات الدستورية! عندما كنت أجيب ببساطة، كان يبتسم ابتسامة كاشف المعلومات الخفيّة، ويكتب ما أقوله، وكأنه حصل على معلومة مهمة! ما أقوله هنا، كله أُعلنه أصلاً، فما الاكتشاف المبهر الذي ستحصل على ترقية بسببه؟!

سألني عن هاتفي وحقيبتي، وغضب جداً عندما علم أنهما ليسا معي، وأن زوجتي أخذتهما مع الأغراض، فأمر بإعادتي إلى الزنزانة بعض الوقت، ثم أعادني مجدداً ليعدني بأنه سيتركني، لكنه يريد الهاتف والحقيبة، واتصل على رقمي، وأعطاني السماعة؛ رد صديق لي، فقلت له أرسل الهاتف والحقيبة، ونجح في إرسالهما.

فتّشوا في الحقيبة، بعد أن سألني عن بعض الأشياء في داخلها، من دون أن أراها، ليتأكد أنها حقيبتي.

– الحقيبة لا شيء فيها سوى بعض الهدايا ذات الطابع التونسي، جلبتها لأصدقائي، وأهلي، أما ملابسي، فتركتها في تونس لأنني سأعود بعد أسبوعين! هكذا قلت.

– تعود؟ هاهاها… هكذا قال الضابط.

فتّش هاتفي، وألقى نظرة متفحصة على بريدي الإلكتروني، وسألني عن حسابي على فيسبوك، وتويتر، فقلت إني مسحت التطبيقات ذاتها، فابتسم، وقال: أتظننا لا نعلم ما تكتب؟!

فتح حسابي على إنستغرام، فوجد رسالة قديمة من صديقة ساخرة: “يا زيادة بتعمل إيه في الذهب؟ إحنا فقرا أوي”!

– “ودي بقى عضوة في تنظيم الإخوان؟!”، هكذا قال.

ابتسمتُ من دون رد، ويبدو أنه لم يجد في بروفايل المُرسِلة ما يجعله يصر على هذا الادعاء؛ فعد أن مجرد “إفّيه” مصدره الرئيس السيسي، جريمة!

وجد ملفاً فارغاً على غوغل درايف، عنوانه “الإهمال الطبي في السجون”، ولأنه فارغ، كان الضابط عصبياً جداً، وقال إن لم تقل لي ما كان مكتوباً هنا، “هتزعل مني”!

قلت الحقيقة لا غيرها. عنوان الملف واضح، وكان ملفاً عن الإهمال الطبي في السجون، وكنت أوثقها، لكني مسحته لأني وثقتها بالفعل.

ابتسم ابتسامة منتصر، فالآن سيرضى عنه من هو أعلى منه رتبة!

هناك ضابط آخر يجلس ويتابع الأمر فحسب، ولا يتحدث، وقد جاء دوره أخيراً:

  • إنت إيه اللي رجعك مصر؟ هي البنات مش حلوة في تونس؟
  • عايز أدخل نقابة الصحافيين.

أعادوني إلى مقر احتجاز المطار مجدداً، ثم جاء خمسة رجال مدججين بالسلاح، على رأسهم ضابط يبدو أنه جاء في مأمورية خاصة بي، وأخرجوني من الباب الخلفي للمطار، ووضعوني في سيارة زجاجها أسود. أمرني أحدهم أن أضع حافة رأسي على الكنبة الأمامية، وألا أرفعها أبداً، وبدأت رحلة اختفائي القسري.

بنظرة خاطفة، علمت أنني على محور 26 يوليو، ويتضح من صوت السائق أنه في حالة سُكر، إذ كان مسرعاً بشكل جنوني، فقال له الضابط:

– انت تقلت في الشرب يا عرص، وشكلك هتموتنا، آجي أسوق أنا؟

– متقلقش يا باشا، كله في السليم.

كدنا ألا نصل سالمين، إذ اصطدمت السيارة بإحدى السيارات، وسمعت صوت صراخ من الخارج “إنت يا حمار”، كانت إشارات بدء معركة بين السائق وأحدهم، لكنها انتهت سريعاً بعدما تدخل الضابط، وفي النهاية سمعت من كان غاضباً يقول بصوت ممزوج بالنفاق: “ولا يهمك يا باشا، فداك”. هدأ كل شيء، وعادت الأمور إلى طبيعتها: المخمور مسرع، وأنا في طريقي إلى الاختفاء.

أعادوني إلى مقر احتجاز المطار مجدداً، ثم جاء خمسة رجال مدججين بالسلاح، على رأسهم ضابط يبدو أنه جاء في مأمورية خاصة بي، وأخرجوني من الباب الخلفي للمطار، ووضعوني في سيارة زجاجها أسود. أمرني أحدهم أن أضع حافة رأسي على الكنبة الأمامية، وألا أرفعها أبداً، وبدأت رحلة اختفائي القسري

“الجماعة اللي تحت”… وأن تنسى اسمك

وصلنا إلى مقر الأمن الوطني في منطقة الشيخ زايد. كان هذا استنتاجاً لا معلومة. طالما أننا مررنا على محور 26 يوليو، فلا مبنى هنا تابعاً للأمن، سوى سجن الكيلو عشرة ونصف، وهو مقر احتجاز رسمي، ومقر الأمن الوطني في الشيخ زايد، الذي سمعت عنه الكثير من القصص التي كنت أعدّها خيالية، عن التعذيب، وما شابه، لكني لم أكن أعلم أني سأكون شاهداً عليها بنفسي.

توقفت السيارة ثوانياً عند المدخل، وربط أحدهم عينيّ بإحكام، فصارت الدنيا سوداء بشكل مرعب. سُجنت من قبل، وخضعت لتحقيقات عديدة، لكن لاحظت الآن أن التعامل ازداد قسوة عن الأعوام السابقة. كانت الغمامة قاسية جداً، ورائحتها نتنة، وتضغط على رأسي، حتى شعرت أنه سيتفجر، بعدها وضع “الكلابش” في يدي. ثم تحركت السيارة، ويبدو أنها كانت تمر عبر حواجز عديدة. بعد المرور عبر الحواجز، قال الضابط للسائق:

– لا لا مش هنا، عند الجماعة اللي تحت.

هذه الجملة كانت كفيلة بأن يرتعد جسدي بشكل أوتوماتيكي، ويبدو أننا بالفعل ننزل إلى “تحت جداً”، تحت الأرض، وأنا أشعر بهذا، والسيارة تتحرك ببطء، وتتوقف عند ممرات أو كمائن عديدة. توقفت السيارة، وأمرني شخص ما بالنزول، وبدأت التعامل معي بعنف؛ مجموعة من خلفي تدفعني إلى الأمام، وأحدهم يهددني بأنني لو لم أتحرك أسرع، فسوف تنزل العصا على رأسي.

طرق أحدهم باباً حديدياً، فرد صوت غليظ من الداخل ليسأل عن الطارق، فقال الضابط: “افتح يا فرج”.

اسم فَرَج لم يكن اسم المخبر وحده، لكنه اسم وهمي لمن يعملون في الأمن الوطني كلهم. الجميع هنا اسمه فَرَج؛ فَرَج الطويل، وفَرَج “التخين”، وفَرَج الأسمر، وفَرَج الأقرع، وفَرَج الأبيض. لم أسمع اسماً آخر خلال 15 يوماً سوى اسم “هشام” الذي كان يناديه ضابط التحقيقات في الدور الثالث، وبالمناسبة، هو عسكري كان يبدي تعاطفه معي سراً، ويتحول إلى وحش عندما يكون أمام الضباط، أو أمام أي فَرَج من المخبرين.

بعد خمس دقائق من الوقوف، سمعت صرير الباب يُفتح ليسبب في داخلي قشعريرة، وتمنيات جنونية بأن تحدث أعجوبة ما، فينغلق الباب على من فيه، ولا يستطيعون فتحه مجدداً، لكن هذا لا يحدث إلا في الأحلام، ونحن الآن على أرض الواقع. نحن في مكان لا يصل “الجن الأزرق” إليه، كما نقول.

دفعني أحدهم إلى الداخل بقوة. ضربني آخر على وجهي بأسلوب مهين، لكن لا يؤذي جسدياً. قبضت يد غليظة على مؤخرة رأسي، وجعلت وجهي ملتصقاً بالحائط كأنه جزء منه. أيادِ كثيرة تفتشني في كل مكان. أخذوا النظارة لأنني بالطبع لن أرى في هذا المكان أي شيء سوى السواد، وأخذوا محفظتي، وبعض الأوراق والهدايا.

همس أحدهم في أذني يسألني عن اسمي، مهدداً بأنه إذا سمعه شخص غيري “هخليك تنور من الكهربا”. قلت اسمي بصوت خفيض، ويبدو أنه كتبه على ورقة، ثم قال: طالما أنت هنا، فعليك أن تنسى اسمك القديم. اسمك الآن 106، وعندما أقول 106، ترد.

كنت المختفي رقم 106. بعد ثمانية أيام، بدّلوا رقمي إلى 102، ما يعني أن أربعة تم الإفراج عنهم، أو تم تحويلهم إلى النيابة. بعد 15 يوماً صرنا 172 مختفياً.

من بين هذه الأرقام كلها، كان أقدمنا رقم 1. مر على اختفائه أكثر من عام، ولا أعلم اسمه، لكنه أقدم الناس، وله امتيازات لأنه يتعامل مع الأمن، ويزودهم بمعلومات عن الجميع. رقم واحد كان، مثلاً، هو المسؤول عن نظافة الأشخاص الذين سيظهرون في فيديو، ليعترفوا أمام الكاميرات بعد تعذيبهم، وكانت في حوزته ملابس نظيفة يبدلها بملابسهم المتسخة. دون غيره، كان مسموحاً له أن يتكلم مع المخبرين.

بالمناسبة، ضمن هذه الأرقام صادفت المحامي الحقوقي عزت غنيم، وكان مختفياً منذ أربعة أشهر، علمت هذا بعد أن علم أحدهم أني صحافي، وهمس في أذني قائلاً: ” لو إنت صحافي، يبقى أكيد تعرف عزت غنيم، هو هنا في نفس المكان”. غنيم كان قد حصل على إخلاء سبيل في قضية نشر أخبار كاذبة يوم 8 أيلول/ سبتمبر 2018، ومنذ ذلك الحين تم إخفاء مكانه، ولم يستطع أي من ذويه، أو محاميه، معرفة مكان احتجازه، وها أنا عرفت، لكن ما الفائدة؟!

“غماية” و”كلابش”… هنا نعيش كما الموتى

غير أنه عليّ نسيان اسمي، وقد تلقيت مبادئ فوق دستورية أخرى، منها مثلاً “ممنوع الكلام، وممنوع الوقوف، أو حتى الجلوس، وتظل نائماً على الأرض، وهذا الكلابش في يدك لا تحاول توسعته، لأنه سيضيق أكثر، ونحن لن نفتحه إلا بعد أن يقدر الله لك الخروج”. في الحقيقة، كانوا يفكّون قيد يد واحدة في أثناء الليل؛ أختار أنا هذه اليد بشكل ديمقراطي، ويقيدون بعدها يدي الأخرى في حديد يرتفع عن الأرض نحو 70 سنتيمتراً، لأنام هكذا من الليل حتى الصباح، وهذا ما كان يجعلني أنام يوماً على جنبي اليمين، وآخر على جنبي اليسار، لا مجال لغير ذلك، وعرفت أن الزنازين كلها فيها كاميرات لتراقب من يتحرك. إنها مأساة أن تفكر في التحرك قليلاً، لأنك ستتعذب كثيراً.

كنا جميعاً نأكل، ونشرب، وأيادينا مُكبلة، وغَمايات تحجب الرؤية عن عيوننا. الغرض من هذا أن نأكل كما تأكل الكلاب “السعرانة”، هكذا قال أحدهم.

كان الطعام في مواعيد محددة، زنزانة تلو الأخرى تصطف في ممر الطريق، والطريق ممتلئ بالأبواب الحديدية المفتوحة التي عليك تفادي الارتطام بها. كنا في ست زنازين لم تغلق أبوابها أبداً، وفي “الطرقة” أيضاً تجد بعض المستلقين على الأرض، وعليك ألا تدهس أحدهم في طريقك، وكان هؤلاء أول الحاصلين على الطعام دائماً.

الطرقة هي ممر بين ست غرف أبوابها لا تغلق، وهي الجحيم بذاته، وهي مرحلة لا بد أن يمر فيها كل مختفٍ، بمعنى أن تكون مسكنه بعض الوقت. أنت لست مراقباً بالكاميرات فحسب، كما في الزنازين. أنت أمام المخبرين، وهم دائماً يراقبون من في الطرقة أكثر، وليست لديك رفاهية الهمس كما في الزنازين. الهمس في الطرقة يُسمع، وأحياناً تجد المخبر قد جلس في جوارك، ليسمع ما تقول. إنها مصيدة يومية يقع فيها المختفون الجدد، بعد أن يأمرهم المخبر ألا يتكلموا، ويضطرون إلى محاولة الحصول على معلومة من الجيران: “هل هناك تعذيب؟ ما نوعه؟ منذ متى أنت هنا”. يبدو أن من مرّوا من هنا، كلهم وقعوا في مصيدة الطرفة، حتى أنا. مصيدة مصيرها الضرب إذا لم يكن الضابط المسؤول عنك موجوداً، والتعذيب حتى تندم على أنك وُلدت، إن كان الضابط موجوداً في مكتبه.

نقف صفوفاً بعد أن نستشعر أننا في الطريق الصحيح. منا من يتعرقل، فيناله أذى بدني بالضرب، أو نفسي بتوجيه الإهانات. لا يجب أن يسقط الطبق البلاستيكي من يديك المكبلتين، لأن لهذا عقاباً آخر. ينتظرنا شخص ما ليضع بعض الطعام في أطباقنا؛ “فول، وخبز، وحلاوة طحينية، في وجبة الغداء أرز، أو عدس، وفي بعض الأيام قطعة لحم رائحتها نتنة، أو قطعة دجاج صغيرة”. بعد أن ننتهي من الطعام، يجب علينا أن نغسل أطباقنا بشكل جيد، وبمياه باردة من دون صابون، وهذا شيء لا يُصدق، فنحن نصنع المعجزات، وننظف أشياءً لا نراها أصلاً، وأيادينا تضيق عليها “الكلابشات” إذا فعلنا حركة خطأ.

دورة المياه في الزنزانة يمكننا أن نتبول فيها، وغير مسموح بالتبرز، لأن المجاري تُسد، وتحدث كارثة. كنا نضطر إلى دخول دورة المياه في الزنزانة المقابلة. كان الأمر صعباً، وعليّ أن أخرج وأقول: “باشا، عايز أدخل حمام”. الباب مفتوح دائماً لا يُغلق، وهذا كان يسهل الأمر. وأن تتحرك لتأخذ إذناً، لن يضرك جسدياً. إما أن يوافق “فَرَج، الذي لا هو باشا، ولا من يحزنون”، على دخولي الحمام، وإما أن يقول “لأ”. لا مجال للنقاش، والتوسل نتيجته الصعق بالكهرباء. لا أريد أن أكرر أننا كنا نؤدي حاجتنا، ونحاول تنظيف أنفسنا بوضعية اليد المكبلة نفسها، والعين “المغماة”، لأن هذا سيكون مملاً، لذا عليك أن تعلم أن كل شيء يحدث في هذا المكان القميء، يحدث بالوضعية ذاتها.

انتشر مرض الجرب المعدي بين المختفين، وأدى هذا إلى عزل البعض، ومنهم بعض الشخصيات المعروفة التي لن أذكر اسمها، لأنني لا أملك الموافقة على نشر أسمائهم. مرض الجرب نتيجة منطقية جداً، كوننا لا نبدل ملابسنا هنا مهما طالت فترة إقامتنا. لم أغير ملابسي إلا بعد 15 يوماً، وهذه كانت رفاهية، لأن هناك من لم يبدلها منذ أشهر، كما أننا لا نستطيع الاستحمام بأدوات النظافة الأقل من عادية، “الصابون”. ويمكننا الاستحمام مرة واحدة في الأسبوع، بمياه باردة مشكوك في نظافتها، هي المياه نفسها التي نشربها بالطبع. هناك من كان ينجح في تنظيف نفسه بالمياه جيداً، بعد إفلات “الكلابش” من يده للاستحمام، ولكن هناك من لم يستطع إعادة “الكلابش” إلى يده، فكان عذابه شديداً، إذ يؤخذ إلى الأعلى ليُعذّب، ونسمع صوته وهو يصرخ لنتعظ، ثم يُعاد إلى الأسفل كمن نجا من الموت بأعجوبة.

رائحتنا كانت نتنة، ونستطيع شمها طوال الوقت، حتى أن الطبيب الذي كان يمر بنا، كان يبدو من صوته البعيد أنه لا يستطيع تحمل رائحتنا، ويوجه لومه الدائم إلينا لأننا لم نستحم! ولا يقدر على الاستمرار في سماعنا فترة طويلة. كان يهرب سريعاً.

لما انتشر الجرب، حاولوا معالجته بطريقة هي الأغرب من نوعها، إذ حلقوا رؤوسنا بماكينة الحلاقة ذاتها، أي أن من لم يصبه الجرب من قبل، فليعلم أنه قد يكون انتقل إليه الآن. على كل حال، كانت هذه فرصة جميلة لأنه جاء أمر من الأعلى لفك قيودنا للتريض، والاستحمام بالصابون.

قال له مخبر مرة، وهو يضربه: “أنا تعبت منك يا ابن الوسخة، إنت ما بتزهقش من الطلبات؟”. عندما سمعت شكوى المخبر، لم أستطع تمالك نفسي من الضحك، ثم البكاء. عندما قال الطبيب للمخبر “اسمح له أن يضع هذا المرهم على القضيب ست مرات”

التعذيب

ذات مرة، كنت أقف في طابور الطعام الصباحي، وكانت الغمامة مرفوعة إلى الأعلى قليلاً، بشكل متعمد مني، وغير ملحوظ، حتى أقدر على رؤية الأرض أثناء وقوفي في الطابور. ندمت على أنني كنت ماكراً، بعد أن رأيت سجيناً يرتدي بدلة التحقيق البيضاء تملؤها الدماء في كل مكان. كان فتى شعره كث، ولحيته طويلة، وملامحه تدل على أنه من القرى، وكانت يداه “مكلبشتين” من الخلف، وقدماه مربوطتين في يديه بطريقة ما، بحيث لا تتحرك لا يداه، ولا قدماه. كان يَئِنّ، ولا يبالي به أحد. لقد دخل مقر الأمن الوطني، وخرجت منه، وكان هو بوضعيته نفسها التي لم تتغير، وكنت أسمع المخبرين وهم يقولون له: لم تأتِ الأوامر بعد، لقد كان يطلب أن يغير وضعيته كل يوم. قال له مخبر مرة، وهو يضربه: “أنا تعبت منك يا ابن الوسخة، إنت ما بتزهقش من الطلبات؟”. عندما سمعت شكوى المخبر، لم أستطع تمالك نفسي من الضحك، ثم البكاء. عندما قال الطبيب للمخبر “اسمح له أن يضع هذا المرهم على القضيب ست مرات”.

أحدهم كان يعمل مُدرباً في صالة رياضية، وعندما ينادون رقمه الذي لا أذكره، نسمع بعدها صراخه كأنه يهز جدران المكان، وهو يتعرض للصعق بالكهرباء حتى الصباح. لقد كان صراخه يُسمع في سكون الليل بشكل مريب، وكان دائماً يعود في الصباح محمولاً على أكتاف البعض. لقد سمعته يوماً يشتكي للطبيب من شعوره بنزيف في مؤخرته، وأنه لا يشعر بأطرافه. قال الطبيب: “اشرب مية كتير”.

أحدهم كان لا يحرك ذراعيه، ويبدو كأنه وُلد هكذا. كان هناك آخر في جواره، مسموح له بأن يُطعمه، ويُشربه، ويدخل معه الحمام. كنت أظن أن هذا الشاب لديه إعاقة منذ ولادته، وعلمت أنه منذ نحو سبعة أشهر كان قد تم ربط يديه من الخلف، وتعليقه منها في السقف مع صعقه بالكهرباء، وخلع كتفيه، فلم يستطع أن يحركها مرة أخرى، وأنه لم يُحقق معه من وقتها، وهو متفائل لأنه الآن في مرحلة العلاج الطبيعي، وقد يتحسن يوماً، وهو يظن أنهم تركوه هكذا، حتى يتم شفاؤه، وعرضه على النيابة، من دون إثبات أنه تعرض للتعذيب.

كانت طريقة العلاج في مقر الأمن الوطني لا توحي بأنهم يريدون العلاج. إنهم يريدون أن نستمر في العيش مع أوجاعنا، وألا يموت أحد منّا من دون إذن. يمر الطبيب على الزنزانة، ويسأل: “هل يشتكي أحد من أي مرض؟”. إذا كان المريض محظوظاً، فلن يقول له الطبيب “اشرب مية كتير”، لكنه سيكتب رقمه على ورقة، ويكتب بجواره اسم الدواء الذي يجب أن يأخذه، وفي اليوم التالي يأتي المخبر، وينادي: “اللي مكتوب له دوا يطلع بره، ويقف طابور”. إذا كنت ستموت، ولم يكتب الطبيب رقمك والدواء الذي ستأخذه، فلا حق لك في هذا الدواء الذي لا تعلم أصلاً ما هو.

بالمناسبة، إذا حاولت الإضراب عن الطعام لإيصال أي رسالة اعتراض، فهذا معناه أنك تريد أن تجلس على كرسي الكهرباء فترة طويلة. حتى لو كان هذا الإضراب دينياً، فلا يجوز لأحد أن يصوم مثلاً، إلا بعد موافقة ضابط ما. حتى الصيام لأغراض دينية، على من أراده أن يبلّغ قبلها بيوم، وكان المخبر يجمع أرقام من يريد الصيام في ورقة، ويأتي بالموافقة، أو بالرفض، بعدها.

أذكر أن هناك من كان يغني بصوت عذب، وخفيض، حتى لا يسمعه المخبرون:

“غماية وكلابش الحديد

والعين متشوفش الألوان

ووجع في القلب وفي الإيد

نفسنا نرجع زي زمان

بنهون ع الناس شدتها

ومحدش هونها علينا

هونها انت علينا يا رب

خف الحمل علينا.”

*****

نادى مخبر برقمي 106، ولم أنتبه لأنني لم أعتد بعد على أنني مجرد رقم، وهذا له عقاب آخر عندما تتأخر عن الإجابة. من في جواري كان يعلم أنه رقمي، فخبط جسدي بقدمه، لأرد سريعاً. بعد فترة، علمت أن السجناء يحفظون أرقام بعضهم، ويتعايشون مع هذا الوضع، وعلى الرغم من أنهم يتهامسون مع بعضهم البعض، إلا أن الأغلبية كانوا يخشون من الإفصاح عن اسمائهم.

لا أريد أن أكرر أننا كنا نؤدي حاجتنا، ونحاول تنظيف أنفسنا بوضعية اليد المكبلة نفسها، والعين “المغماة”، لأن هذا سيكون مملاً، لذا عليك أن تعلم أن كل شيء يحدث في هذا المكان القميء، يحدث بالوضعية ذاتها

نادى المخبر رقمي مرة ثانية، بعد أقل من خمس ثوانٍ، وكان بصوته يتصنع الغضب، فخرجت مسرعاً. ضربني على قفصي الصدري بعنف، وقال: “أنا بناديلك بقالي ساعة يا ابن الوسخة”. أمرني ألا أفتح عينيّ، عندما ينزع الغمامة، ووضع واحدة أخرى. يبدو أنها قطعة من “بطانية” خشنة، ربطها بشكل أقوى، وغطى وجهي كله تقريباً. كانت الغمامة تضغط على عينيّ، وأنفي، وأذني، بقوة مفرطة، فلا أسمع جيداً، وأتنفس من فمي، لأن أنفي شبه مغلق. سحبني أحدهم من “الكلابش”، وصعدنا إلى الدور الرابع. جلست على الأرض أنتظر، وكان الجو بارداً جداً، وكنت مضطراً إلى الجلوس على البلاط البارد، ولا يمكنني الوقوف. بعد نحو ساعة تقريباً، قرر عسكري أن يضع تحتي “كرتونةً”، بعد أن رأى جسدي ينتفض. دخلت إلى غرفة تحقيق رائحتها نظيفة، ولا أعلم إن كان فوقي جهاز تكييف، أم أنني أشعر ببرد قارس. فجأة يتحول التكييف إلى هواء ساخن جداً! ظللت واقفاً من دون حركة فترة لا أعلمها، وكان العسكري قد قال لي: لا تتحدث إلا عندما يأذن لك “الباشا”.

تحدث من يجلس على المكتب أخيراً، وكنت قد شعرت بتعب في ظهري، وقدميّ، من الوقوف. ظهري تآكل من السجن الأول، وتأثرت أعصابي كلها تقريباً.

سألني عن نشاطاتي في الحياة كلها، منذ نشأتي حتى القبض عليّ في مطار القاهرة، وناقشني في بعض الأفكار، والتواريخ، أو حاول، وكان جاهلاً، أو يحاول أن يظهر نفسه كذلك.

كانت ليلة طويلة، لا أعلم عدد الساعات التي وقفتها أمامه. كنت أقاوم أوجاع جسدي لكيلا أسقط. لكن ضابطاً ما، جاء من الخلف، وركلني بقوة في ظهري، فكانت النجاة من السقوط مستحيلة. كانت الضربة مؤلمة، ولم أستطع النهوض مجدداً.

قلت لهم إنني أعاني من آلام في الظهر، وأن لدي بعض الانزلاقات، فقال المحقق: “معلش يا أبو حميد، الباشا كان بيهزر معاك”. ساعدني بعض العساكر بأمر من الضابط، في أن أنهض مجدداً، وقلت إنني لا أستطيع الإكمال، فضربني أحدهم على وجهي، وقال المحقق: “متضربش من غير ما أقول لك يا هشام، خلاص يا أحمد ارتاح شوية، وبعدين نكمل”.

لا أعلم ما الذي سنكمله أصلاً. كلها نقاشات عشوائية، فمثلاً يسألني عن الصحافة، واختياري لها، ثم يسألني في الأديان، وعن علاقتي بمنظمات حقوقية، ومن أين أحصل على تمويل، ثم عن كرة القدم، وعمن أحب من اللاعبين، ويسألني عن ناشط سوداني اسمه محمد البوشي، وعن علاقتي به، لأنني كتبت عنه من قبل، وعن آرائي السياسية، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية، عن وتعريفات الشيوعية، وأقسامها، والليبرالية، وعيوبها، وإيجابياتها، ثم يسأل سؤالاً عجيباً عن علاقتي بما يسمى “طلاب ضد الانقلاب”! والسؤال الأخير أكد لي أن لديه أوراقاً فارغة عني، لا بد أن يملأها والسلام!

أعادوني إلى الزنزانة قليلاً، ويبدو لي أني نمت دقائق، أيقظوني بعدها لاستكمال التحقيق. لن أبالغ إذا قلت إنه أعاد الأسئلة كلها، لكن بترتيب مختلف، وإن الأسئلة هذه نفسها كنت أجيب عليها خلال 15 يوماً من التحقيقات. استمر التحقيق بالشكل نفسه ثلاثة أيام مع الضابط نفسه، ثم لم يحقق معي أحد فترة لا أتذكرها. يبدو أنني كنت أنتظر ضابطاً متخصصاً في الصحافة، ويعلم كثيراً عن العمل الحقوقي.

بدا الضابط مثقفاً أكثر ممن سبقه، وبدأ تحقيقه بقوله: “مممم، هناك متسع للجميع، هناك متسع للجميع”. علمت ما يقصد بالطبع. “هناك متسع للجميع، عن سجون مصر قبل ثورة كانون الثاني/ يناير، وبعدها”، وهذا تقرير شاركت في إعداده مع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ونشر في أيلول/ سبتمبر 2016؛ يكشف عن بناء 19 سجناً بعد ثورة كانون الثاني/ يناير، ويقدّر أن أعداد السجناء السياسيين فيه، وصلت إلى 60 ألف سجين. دار التحقيق كثيراً حول هذا التقرير، وحول عملي كباحث في الشبكة العربية، ثم انتقلنا إلى عملي في مركز النديم، لكن يبدو أن معلوماته كان ضئيلة عنه، ويبدو أيضاً أن شيئاً ما في هاتفي كان له علاقة بعملي في النديم، فاكتشفوا ذلك صدفة.

حاول أن يضغط عليّ بالتخويف، لأعترف بأشياء لم تحدث: “أنا مش عايز الكلام ده، أنا عايز تجاوزات كنتم بتعملوها في الشبكة، وخد بالك دي آخر فرصة”.

قلت إننا كنا نكتب تقارير عن حرية الفكر والتعبير في العالم العربي، وكنا نشارك في حملات للإفراج عن سجناء الرأي في مصر، وعن الصحافيين تحديداً، ونكتب بيانات إدانة أحياناً، وربما ترحيباً إذا لزم الأمر. عملنا يُنشر في العلن، وللمحامين دور في الدفاع عن سجناء الرأي المعتقلين. لكن يبدو أن الأمر لم يعجبه. أنا اختصر تحقيقات حدثت مع هذا الضابط في نحو سبعة أيام، أو ثمانية، وأذكر أنه قال لي إن “فرصتك انتهت، فرصة الكلام، وفرصة الحياة، لم يعد هناك متسع للكلام يا رفيق أحمد!”.

كنت المختفي رقم 106. بعد ثمانية أيام، بدّلوا رقمي إلى 102، ما يعني أن أربعة تم الإفراج عنهم، أو تم تحويلهم إلى النيابة. بعد 15 يوماً صرنا 172 مختفياً. من بين هذه الأرقام كلها، كان أقدمنا رقم 1

كنت أنتظر تحقيقاً آخر في طُرقة ما، وجاء عسكري أوهمني أنه يجاملني، ورفع الغمامة عن عينيّ، بعدها رأيتهم يعذبون شخصاً عاري الجسد تماماً، ويصعقونه بالكهرباء في أماكن حساسة، ويضعون شيئاً ما في مؤخرته يجعله يصرخ بشكل قوي. بعد هذا المشهد الذي لم يمحَ، ولن، من ذاكرتي، أجرى الضابط تحقيقاً معي بدأه بـ”أنا اديتك فرصتك في الكلام، وإنت اللي قعدت تقول لي الصحافيين، وحرية الفكر والتعبير، للأسف اللي جاي مرحلة صعبة، يا هشام يلا عشان زيادة عايز يجرب الكهربا”. أنا كنت تحت ضغط وتهديد غير مسبوقين، فما الذي يمنعهم من فعل ما فعلوه مع هذا الشخص معي؟! لكن صوت الكاميرا التي كانت تعمل، جعلني أُصر على الكلام ذاته، وألا أصطنع قصصاً كاذبة، وأعترف بأشياء لم تحدث من أجل النجاة. مر التحقيق من دون أن أتعرّض للصعق بالكهرباء. المضحك أنه سألني عن رأيي في الاختفاء القسري!

في التحقيق الأخير، أخبروني أن ما حدث معي كان “قرصة ودن”، وهددوني بأنني لو كتبت ما حدث هنا، سأعود مجدداً. لقد كانوا يتحدثون معي بود شديد في الأيام الأخيرة. قالوا لي نحن لم نؤذِك، ولن نفعل! وإننا سنحيلك إلى النيابة العادية، وليس إلى نيابة أمن الدولة، لأنك لم تفعل شيئاً. وقالوا أيضاً إن مصلحتي معهم، وليست مع طرف آخر.

أملوا عليّ أوامرهم بأن أقول أمام النيابة إنه قبض عليّ من أمام منزلي يوم 13 شباط/ فبراير 2019، وأن أنسى أنني دخلت إلى مقر الأمن الوطني، أو إنهم قبضوا علي من مطار القاهرة، وأن أقول أولاً أمام النيابة إن لي آراءً سياسية معارضة، لكني أحب البلد، وألا أتحدث عن عملي الصحافي، أو الحقوقي مطلقاً!

الخروج من الجحيم

بعد أن انتهى التحقيق الأخير، أمر ضابط المخبرين بأن يفكوا قيدي، لأستحم جيداً، وأن أبدل الملابس كلها التي عليّ بملابس أخرى نظيفة. لم أنم حتى الصباح.

نادوا رقمي في الصباح، ليخبروني بأن عندي عرضاً على النيابة، وطلب مني أحدهم: “ممكن تديني الملابس الوسخة اللي معاك، أنا ما غيرتش لبسي من تلات شهور”. فعلت ما طلب.

أخيراً سأخرج. أنا أسعد الناس على وجه الأرض. سأدخل إلى السجن بقسوته كلها، لكني سأخرج من الجحيم. حين خروجي من المبنى، لتتسلمني مأمورية من قسم شرطة العمرانية، كنت أشعر أني أصعد من الأسفل إلى الأعلى، وكنت أبتسم لأنني أشم الهواء من دون حواجز، وينقصني أن أنزع الغمامة و”الكلابش” فحسب، وأبقى في السجن العادي إلى الأبد!

وُضعت في سيارة ترحيلات وحدي، وأخبرني العسكري في منتصف الطريق أنه يمكنني نزع الغمامة، وأن أرتدي نظارتي. كان أول وجه أراه بعد 15 يوماً، هو وجه هذا العسكري؛ تبدو ملامحه طيبة، وفقره يجلعه جشعاً من الناحية المادية، إنه لا يفعل أي شيء إلا بالمال. في جيبي 20 جنيهاً كنت أضعها في بنطالي لأعطيها إلى من سيحمل “الشنط” في مطار القاهرة، وأمر الضابط أن يردوها لي مع نظارتي. أعطيتها للعسكري ليفك قيد يديّ، وطلبت منه مكالمة فأقسم أنهم يأخذون هاتفه منه عندما يأتي إلى مأموريات أمن الدولة.

كنت أنظر من شباك السيارة متعجباً أن الحياة ما زالت مستمرة، وأن الشمس كما هي، لم يغيرها الأمن الوطني، وأنني ما زالت قادراً على التنفس.

في محكمة الجيزة، كان العسكري مرتبكاً. إنه يريد أن يخبر أهلي أنني هنا، لكنه خائف، ومتعاطف معي، ومتوتر، ويريد أموالاً. سمح لي أن أعطي رقم زوجتي لمحامية في المحكمة، لتخبرها بمكاني، كانت المحامية تريد أن تساعدني من دون مقابل، لكنها غضبت عندما علمت أنني قادم من أمن الدولة: “ما قولتش من الأول ليه قبل ما اتصل؟”. أراد العسكري أن يضع “الكلابش” في يد سجين آخر، فرفضت بقوة. رفضي كان نابعاً من أنني جئت من الجحيم، ولا أبالي لرد فعل العسكري، أو أي شخص هنا. لن يحدث لي أسوأ مما حدث. كان مأمور القسم على رأس “الترحيلة” التي نقلتني من الأمن الوطني إلى المحكمة، وقال للعسكري: “خليه لوحده عادي”، ثم سألني عن عدد الأيام التي قضيتها في الجهاز؟! سؤال يبدو فيه أسف أيضاً!

جلست على الأرض، ودفنت رأسي بين ركبتيّ، وأول من رأيته في المحكمة بعد ساعة تقريباً كان المحامي محمد الباقر، وهو الآن معتقل بسبب عمله الحقوقي، وكان مديري في مركز عدالة للحقوق والحريات، حيث عملت معه باحثاً في العدالة الجنائية، ثم جاء عدد كبير من المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان، ومحامي نقابة الصحافيين بصفة رسمية. عندما قلت للباقر إنهم يريدونني أن أقول إنني لم أختفِ قسرياً، قال: “لا تقل إلا ما حدث”.

ناقشني وكيل النيابة قبل التحقيق، وحاول إقناعي أن الأمن الوطني بالفعل “عمل معايا واجب”، وأنه يجب أن أفعل ما قالوه لي من أجل مصلحتي، وأنني متهم بنشر أخبار كاذبة، ثم بحث عن اسمي على فيسبوك، ليرى ما أكتبه على حسابي، وقال إن حسابي مغلق، وسألني لماذا؟ فلم أجد رداً غير أنني كنت خلال 15 يوماً في الأمن الوطني، ولا أعلم لماذا! رأى خبراً في مدى مصر عن ظهوري، وسألني عنه أيضاً. كان هذا أغرب سؤال. قلت له وهل يمكن أن تسألني عن خبر يتحدث عن ظهوري أمام النيابة، وأنا بين أيديكم؟ ثم هؤلاء زملاء كتبوا خبراً عن ظهور صحافي بعد إخفائه، فما الخطأ في ذلك؟

استمرت التحقيقات ساعات طويلة، اتهمني فيها بنشر أخبار كاذبة، وحاول قدر الإمكان أن يبحث عن أي مخالفة بأساليب مماطلة، وعرض عليّ بعض الصور لمقالاتي، قلت إنني لا أنكر كتابتها، لكني أنكر أن فيها خبراً كاذباً. رفضت أقوال المحضر الذي يقول إنه قبض عليّ من أمام منزلي، وحاولت اتهام الضابط الذي كتب المحضر بالتزوير، لكن وكيل النيابة رفض. للمرة الأولى، أسمع أن وكيل نيابة يرفض أن يسجل أقوال متهم! تم تجديد حبسي أربعة أيام على ذمة التحقيق.

سجن الكيلو 10 ونص

وصلت إلى سجن الكيلو 10 ونص، وهو معسكر أمن مركزي سابق، تم تحويله إلى سجن، لتخفيف الضغط على أقسام الشرطة في محافظة الجيزة، على الرغم من أن الزيارات الأهلية كانت عبر سلك حديدي، وأن التريض ممنوع، وأن الزنزانة ضيقة جداً، إلا أني عددت السجن جنة، بالمقارنة مع وضعي السابق داخل الأمن الوطني، ولم أصدق نفسي عندما دخلت الحمام، لأستحم بالصابون والماء جيداً. كنت لا أريد الخروج أبداً. ولأنني كنت أفكر في نفسي فحسب، لم أفكر في “الجنائيين” الذين يسكنون الطابق الثاني. الغرفة التي كانت تتسع لـ20 من السياسيين، تتسع لنحو 50 وأكثر منهم. وعلمت أن منهم من قضى في هذا السجن أعواماً، بلا تريض، ولا زيارات، إلا عبر السلك الحديدي الذي لا تستطيع أن ترى من خلفه جيداً، بسبب تراكم طبقات الحديد فوق بعضها، ويمكنك في نهاية الزيارة التي قد تصل إلى ربع ساعة، أن تقابل أهلك لثوانٍ كي تأخذ منهم الاحتياجات التي ليس من بينها مثلاً “جرائد، أو راديو، أو ساعة، أو أقلاماً، أو أوراقاً، أو كتباً، أو أطعمة معلبة، أو أدوات حلاقة”، لأنها ممنوعة. حتى أكون صادقاً، كان يُسمح لنا مساءً بشراء الماء الساخن، أو الشاي، من سجين جنائي.

سجن القناطر

بينما أتعايش مع تقييد حريتي بهدوء، جاء ترحيل مفاجئ لعدد من السجناء إلى سجون مختلفة، كُنت من بين الذين رُحّلوا إلى سجن القناطر للرجال، وفي السجن ذاته كان صحافي وفدي قديم هو عادل صبري، رئيس تحرير موقع مصر العربية، وقد عملت معه في الموقع مديراً لقسم صحافة الفيديو، كما كتبت في الموقع ذاته مقالات عدة لم يطلب مني في أي يوم، أن يستبدل كلمة واحدة. هذا الرجل الذي قُبض عليه في نيسان/ أبريل 2018، غاب عن جنازة أمه، وعن جنازة شقيقته الصغرى، وحصل على إخلاء سبيل في قضية نشر أخبار كاذبة، ثم ضُمّ إلى قضية أخرى، غير أنه قبض عليه بسبب بعض التقارير التي نُشرت في موقعه. لقد تألم عندما علم أنني سُجنت مجدداً، وأرسل لي رسالة مكتوبة من زنزانته، يملؤها الحزن، وحاول أن يجعلني أتماسك، وأرسل بعض الأطعمة، والحقيقة أنه يومياً كان يرسل إليّ ليسألني إن كنت أحتاج إلى شيء ما. نعم أحتاج إلى بعض الملابس، وأرسل بدلة تحقيق من ملابسه الخاصة.

عندما استقبلونا في سجن القناطر، دمروا ما في حوزتنا كله إلّا الطعام. لا أعلم السبب مثلاً في تقطيع أحذيتنا. حاولت أن أقول للعسكري أنت أولى بحذائي الجديد، لكنه خاف من الضابط. حرقوا ملابسنا، وكان غير مسموح بدخول الحقائب، لكن نجحت في تمرير حقيبتي الرديئة وعلبتي سجائر. ليس من السهل أن تعرض رشوة على أي مخبر في أي سجن، ويرفضها، مهما تدنت قيمتها. ثم حلقوا رؤوسنا جميعاً، ووضعونا في زنزانة الإيراد.

تغيرت السجون عما كانت عليه في أعوام 2013 و2014 و2015، والتي سُجنت فيها. الأمن الوطني بات يسيطر على كل شيء بشكل واضح، حتى أنه يجمع عن قضيتك بعض المعلومات، وعنك أنت شخصياً أيضاً، كما أنه قد قسّم الزنازين إلى أفكار مختلفة، مثلاً زنزانة “دواعش، وإخوان، وألتراس، ومدخنين” وهكذا… وبعد أن تقضي فترة الإيراد، يعرض عليك شخص ما أفكاراً عن الغرف التي هنا، وعليك أن تختار غرفة ما لتسكن مع من فيها، واختيارك يذهب إلى الأمن الوطني، وستُسأل عنه إذا ما تم الإفراج عنك، وربما يتم تدويرك بسببه مرة ثانية.

كنا جميعاً نأكل، ونشرب، وأيادينا مُكبلة، وغَمايات تحجب الرؤية عن عيوننا. الغرض من هذا أن نأكل كما تأكل الكلاب “السعرانة”، هكذا قال أحدهم.

كانت رائحة المياه ممزوجة بمياه الصرف الصحي، ولم يكن أمامنا خيار إلا الشرب منها. نحن ممنوعون من الزيارات حتى إشعار آخر، ولا نملك أموالاً لشراء المياه من الكانتين. ببحث عشوائي عن المياه في القناطر، بعد خروجي، وجدت تصريحاً للنائب أحمد فاروق يقول فيه: “إشكاليات منطقة منشأة القناطر كبيرة، وفي حاجة إلى التدخل الحاسم، خاصةً أن الأهالي بيشربوا المياه بديدان”. وهذا يعني أننا كنا نشرب بالفعل مياه المجاري.

كانت زنزانة الإيراد تزداد كل يوم سوءاً. هنا مجموعة دواعش تمارس تطرفها علناً، بعد كل صلاة، وهناك جنائيون قرروا أن يغسلوا ملابسهم الداخلية في علبة كنا نحصل فيها على طعامنا، ومجموعة أخرى تؤمن بأن كل مشكلة لدى شخص ما، مرتبطة بوجود عفاريت تسكنه، ويعالجون بعضهم بالقرآن والضرب، وهنا شخص يرى أنه بريء، وأنه كان يفكر فقط في السفر للجهاد في سوريا، لكنه لم يفعل، وآخر كان في حركة شباب 6 أبريل، ومع موت الحركة ببطء نسي الجميع أنه هنا أصلاً، وهناك شاب يساري صغير من عائلة كلها من اليسار، وما زال في الثانوية العامة، وهذه هي المرة الثانية التي يسجن فيها، هنالك بعض الشباب الذين لم يغيروا أفكارهم، أو يراجعوها، في مسألة تخوين الجميع، وطبعاً هنا مجموعة من الإخوان قائدها قرر أن يكون قائداً للزنزانة، وحظه السيء أوقعه عندما قال “إننا سننظم الزنزانة يا إخوة لراحة الجميع”، ثم سأل من يريد الأجر من الله ويبدأ، فلم يرد عليه أحد، ولأني كنت أول الجالسين في الزنزانة، قرر أن يبدأ من عندي، فقلت له إذا كنت أنت القائد كما ترى نفسك، فعليك أن تفعل شيئين لا ثالث لهما، إما أن تبدأ بنفسك، وتنظف الزنزانة، لأنك المبادر، وأنا أرى أنك أولى بالأجر من الله، وإما أن تجعل أحد إخوانك يبدأ، وهم لهم أولوية الأجر بعدك. أما أنا، فلن أهتم إلا بالمكان الذي أنام فيه، ولن أنظف لأحد مؤخرته، كما أنني لن آكل معكم.

لقد حصلت على تجديد حبس مرتين، الأولى أربعة أيام، والثانية 15 يوماً، وفي الثانية كان الثاني قد سألني فقط: “هل نشرت أخباراً كاذبة؟”، فقلت لا، فقال 15 يوماً!

في الثالثة تكرر الأمر نفسه، لكن الحقيقة أن الوضع كان مختلفاً، إذ كانت نقابة الصحافيين قد قبلت قيدي في النقابة بإجماع المجلس، وهذا ما لم ترضَ عنه جملة من مخبري الصحافة، وكانت نقابة الصحافيين حاضرة بشكل رسمي، ومحاميها موجود منذ التحقيق الأول، وطبعاً محمود كامل الذي لن يفوت الفرصة لمناصرة زميل، وخالد البلشي على الرغم من أنه لم يكن عضواً في مجلس النقابة، وبعض الزملاء المتضامنين مع قضيتي. قال الباقر للقاضي إن النقابة قبلت قيدي، وأنا في السجن، وهذا يعني أنها توافق على كل ما تنشره، وكان أحد الزملاء قد استطاع استخراج ورقة من نقيب الصحافيين السابق عبد المحسن سلامة، يطالب فيها بالإفراج عني بضمان النقابة.

حصلت على إخلاء سبيل بكفالة عشرة آلاف جنيه، وعدت إلى السجن، واستطعت التسلل إلى زنزانة عادل صبري، لأراه وأخبره بأني حصلت على إخلاء سبيل. بكى الرجل من الفرح، وقبّل رأسي، وحضنني كما يحضن الأب ابنه. لم يفعل هذا الرجل شيئاً، إلا أنه كان يؤدي عمله الصحافي، وربما قرر شخص ما في جهة ما، الانتقام منه، لأسباب منها أن موقعه لم تكن لديه خطوط حمراء، طبعاً مع ذكر أنه الآن، وفي غيابه، موقع لا فائدة من وجوده، ولم يقدم 1% مما كان يقدمه، وهذا بسبب الضغوط الأمنية التي تعرض لها، ومنها إغلاق مقر الموقع ذاته.

وصولي إلى التخشيبة كان مُبشراً للجميع في الخارج، بأنها مرحلة ما قبل الإفراج، لكن الزنازين تحت الأرض لا هواء فيها، وأنت تتنفس دخان السجائر الرخيصة فحسب. كدت أختنق، لكن على كل حال عندما أتذكر وجودي في الأمن الوطني، أكتسب بعض القوة للصبر

التخشيبة

عندما سُجنت في المرة الأولى، كان قسم الشرطة يتكفل بنقلي إلى المحكمة، عندما تكون لديّ جلسات، أو عرض على النيابة. تغيرت الأمور، ففي كل جلسة تجديد، يقوم السجن بنقل السجناء إلى تخشيبة الجيزة، أو إلى الخليفة في القاهرة، ومن هناك تتسلمهم ترحيلات من أقسام الشرطة، لتوزيعهم على المحاكم، وبعد الانتهاء يعود إلى التخشيبة مجدداً، لتأخذك ترحيلات السجن. وهكذا، يسميها البعض “لفة الموت”، لأن هذا اليوم يبدأ في السادسة صباحاً، وينتهي تقريباً عند الواحدة من صباح اليوم التالي. إنه روتين يومي لتعذيب السجناء من دون جلد، أو صعق.

تخشيبة الجيزة فيها زنازين تحت الأرض، بلا مكان للنوم، والجلوس أقصى أمانيك. حاولت أن أبقى في زنزانة في الطابق الأول، لكن يبدو أنه ولأغراض مادية يتعمد “الشاويشية” والمخبرون وضعك في أسوأ الزنازين. أنت في السجن عبارة عن مصرف بنكي متحرك لأمناء الشرطة، وكل نقلة إلى زنزانة أخرى، ستدفع فيها مبلغاً مالياً ما للموجودين في الوردية كلهم، وعند كل زيارة للأهالي، ستدفع أيضاً.

وصولي إلى التخشيبة كان مُبشراً للجميع في الخارج، بأنها مرحلة ما قبل الإفراج، لكن الزنازين تحت الأرض لا هواء فيها، وأنت تتنفس دخان السجائر الرخيصة فحسب. كدت أختنق، لكن على كل حال عندما أتذكر وجودي في الأمن الوطني، أكتسب بعض القوة للصبر، لم أتحمل أكثر من ثلاث ساعات مرت كأنها ثلاث سنوات، واستطعت بدفع الرشاوى أن أنتقل إلى زنزانة مجاورة فارغة، أنا وشخص كان معي في سجن القناطر، لكن لا أعرفه. بعد وقت قليل، تحولت الزنزانة الفارغة إلى خلاط فيه أجسام فوق بعضها. في الليل استطعت الصعود إلى زنزانة في الطابق الأول، وهذا هو نعيم الدنيا وما فيها. أنا فقط سأواجه بعض أعمال البلطجة من بعض من يريدون مساحة أكبر للجلوس من السجناء، وهذا غير مهم لي، أما الهواء، فعندما ينعدم لا مجال للحلول.

كل صوت سمعته يُعذَّب صاحبه في مقر الأمن الوطني، ما زلت أسمعه يومياً في منامي، وكل اعتداء أو إهانة تعرضت لها، أحلم أنها تتكرر وتجعل تنفسي يضيق، وكل خطوة أخطوها لم تعد مهمة لي

قسم الشرطة

بعد أيام لا أذكر عددها، انتقلت إلى قسم شرطة الطالبية، وهو أحد أسوأ أقسام الشرطة في محافظة الجيزة، لا لشيء سوى أن ضباطه يتعمدون إهانة الأهالي، وإهانة السجناء أمام أهاليهم. حاول ضابط ما أن يجعلني أنظر إلى الحائط، فرفضت، فاعتدى عليّ بالضرب محاولاً أن يجعلني أخضع لأوامره، لكن ضابطاً آخر سحبه من يده، وقال له بصوت منخفض: “ده الواد السياسي شغال صحافي”. فاكتفى الضابط بعدها بتوجيه السب واللعن إلي.

كانت الزيارة في قسم الشرطة كل يومين، أشبه بمشهد درامي، يجلس واحد من أهلك، أو اثنان أمام القسم بالساعات، ثم تُفتح الزنزانة بعد أن يضع عسكري طاولة كبيرة أمام الباب، وينادي باسم السجن، فيقف السجين على حافة الباب، ويخرج رأسه ويداً واحدة ليرى من أتى من أهله، ويأخذ منهم الطعام. كانت كل زنزانة لا تتخطى الزيارة لمجموع السجناء السبع دقائق، وكنا في الزنزانة نحو 80 سجيناً! بالمناسبة، كنت في زنزانة يسمونها قصر الرئاسة، لأن من فيها مختلسون، ويريد أغلبهم ألا يذهب إلى السجن، لذا يدفعون أموالاً كثيرة لشخص ما، حتى يظلوا فيها. يحدث هذا يومياً، إذ يأتي شخص ما، وينادي على فلان، ليخبره أن اسمه جاء في “ترحيلة” إلى سجن كذا، فيطلب فلان أن يبقى هنا بأي ثمن، ويكون الثمن غالياً، ويبقى.

كنت في القسم أنتظر الإفراج عني، بينما تنتظر زوجتي يومياً، وأخي، وأصدقائي، أمام القسم أملاً بخروجي، وجاءني ترحيل مفاجئ في ساعة متأخرة من الليل، إلى مقر الأمن الوطني في قسم الهرم. ظننت أنه سيتم تدويري، وذلك بعد أن وضعوا غمامة على عينيّ مرة أخرى، ووضعوا “كلابشات” في يديّ من جديد، وعلمت بعد هذا التحقيق التافه، أنه روتين، وأن كل سياسي يسكن في منطقة الهرم، لا بد أن يمر على الأمن الوطني في قسم شرطة الهرم، لتُجمع عنه بعض المعلومات، وكأنها جهة مستقلة عن الجهة التي حققت معي في البداية. الذي كان يحقق معي أصلاً كان يظنني مستدعىً، ولست حاصلاً على إخلاء سبيل، وطلب مني صوراً شخصية في المرة القادمة! إنه حتى لا يعلم أي شيء عن القضية التي بسببها سُجنت! ما أضحكني أنه سألني عن رأيي في محمد البرادعي، ووصفه بالهارب، وعضو جماعة الإخوان!

بعد أيام أخرى قضيتها في قسم الشرطة، لم يتخطَ مجموعها أسبوعاً تقريباً، وفي إحدى الصباحات، نادى ضابط باسمي، هذا كله وأنا أنتظر التدوير في قضية أخرى، وسألني:

هل تريد أن تعود إلى السجن مجدداً، فأجبت بالسلب طبعاً، فأعطاني ورقة وقال إن عليّ أن تذهب إلى الجهاز، “جهاز الأمن الوطني”، الأربعاء القادم، وأن أسأل عن الباشا فلان الفلاني.

خرجت من قسم الشرطة إلى الشارع، وعدت إلى دياري، لكن روحي لم تعد من وقتها. هناك أشياء كثيرة تحطمت في داخلي، وأشياء التصقت بذاكرتي، واحتلت مساحة كبيرة. كل صوت سمعته يُعذَّب صاحبه في مقر الأمن الوطني، ما زلت أسمعه يومياً في منامي، وكل اعتداء أو إهانة تعرضت لها، أحلم أنها تتكرر وتجعل تنفسي يضيق، وكل خطوة أخطوها لم تعد مهمة لي. ذهبت الأربعاء، ووضعوا غمامة على عينيّ، وحاولوا إقناعي أنهم خدموني، وأنهم يريدونني معهم، لكني قلت لهم: أنا لا أريد إلا أن تتركوني. تركوني، ولم تتركني آثار جريمتهم.



اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s