غرفة بمنافعها!

كفرد من أبناء بناة أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع، وضعت شروطي للغرفة التي أريد أن أسكن فيها على الأراضي البلجيكية؛ أن يتناسب السعر مع مواطن مصري كان يُحب أتوبيس الهيئة أكثر مما يحب أبناء الطبقة المتوسطة سيارات أوبر، أن تكون المنطقة هادئة لكن ليست مملة بمعنى أنه عندما أخرج يجب أن أصل إلى المقاهي والبارات والمطاعم وطبعًا الناس، أن تكون المواصلات قريبة من الغرفة بمعنى أن أفتح الغرفة فأجد أتوبيس الهيئة البلجيكي يفتح لي أبوابه بقدرة قادر لأجلس على الكرسي الذي لو كان في بلدنا لجلس عليه رئيس جمهورية، أن أختار من سأعيش معه في المنزل كما تختار أمي حبّات البطاطس الطازجة من وسط أكوام البطاطس الرخيصة على سيارة كارو يقودها حمار ورجل يرتدي جلباب بلدي يُقسم بالطلاق أن هذه أفضل بطاطس في العالم لطالما لم تصدقه أمي وأصرّت على اختيار كل حباية بطاطس ستتشرف بدخول الكيس البلاستيك المرسوم عليه أشجار وعصافير وزهور وسماء صافية.تمر الأيام والأسابيع والشهور، وجدت نفسي أتنازل عن مطلبًا بعد الآخر، العثور على غرفة في بلجيكا أصعب من العثور على خنزير يحكم البشر؛ أرجو ألا يقول أحدهم أن هذا موجود لأن على القائل أن يتحمل مسؤولية نفسه.وجدت غرفة بمساوئها ولم أستطع الاستمتاع بمنافعها، تقاسمت الثلاجة مع الآخرين؛ يعتقد شخص ما في البيت أنني الست الحاجة أمه؛ فيأخذ ما يحلو له من طعامي من دون استئذان ولا يبالي بفتح كارتونة بيض أنا نفسي لم أجروء على فتحها ويأخذ 4 بيضات مثلًا، أو يفتح علبة عصير ليشرب منها فلا أدري إن كان شرب منها مباشرة أم في كوب فأقرر تركها؛ وهناك شخص يستمع إلى مزيكا الراب في الأوقات القانونية حتى لا يشتكي أحد، يرقص المنزل بأكمله من صوت الطبل العالي، وكله بالقانون؛ آخر يقرر أن يترك 30 ألف كيلو متر هي مساحة بلجيكا ليجلس أمامي على ترابيزة صغيرة لفردين ويتحدث بلغته التي لا أفهمها عبر الهاتف بينما أطفح غذائي وفي داخلي هاجس يقول أنه بصق الآن على الطعام فلا أكمل.أتذكر مصر وأنا سارح في ذَكر حمام مُصاب في جناحه الأيسر ترك العالم كله وجاء لي لأراعيه وأنقذه من أن يكون مشويًا أو محمرًا بالزبدة الفلمانية البلجيكية عالية الجودة بعدما أراد أحد زملاء البيت التهامه؛ ثم تأتيني رسالة من مصر الحبيبة على هاتفي، ألتقطه متلهفًا، لقد وضعت نغمة خاصة على الخط المصري حتى أعطيه اهتمامًا أكثر، أفتح الرسالة مبتسمًا وأقرأ “عميلنا العزيز، تم خصم 67 قرش ضريبة الدمغة” شركة أصيلة، لم تنسَ أبدًا أنني ما زلت أتنفس، سألت نفسي؛ هل بالفعل يشترون دمغة كل شهر من أجل أن يستمر هاتفي في التقاط الشبكة؟ من الذي اخترع ضريبة الدمغة؟ هل يمكن أن تُطالبني شركة اتصالات بلجيكية بضريبة الدمغة؟ لقد كانوا يعطوني 15 يورو مع كل شحنة لأننا في فترة وباء صعبة، بالطبع لم يصل لهم اختراع ضريبة الدمغة، هل هناك حياة أخرى بعد دفع الدمغة؟منذ الشهر الأول الذي حصلت فيه على هذه الغرفة وأنا أبحث عن غرفة، 9 أشهر كاملة هي فترة البحث، وهي نفس الفترة التي عشت فيها في غرفة طبيعية في بطن أمي يأتيني طعامي وشرابي ولا أرتدي من البوكسرات شيئًا ولا يزاحمني في مكاني أحدًا.كمواطن يعيش في بلجيكا، أبحث عن الإندماج كالباحث عن عمل في دولة لا يتحدث إحدى لغاتها الثلاث، آكل كما يأكلون أحيانًا لكني لم أتوقف عن التفكير في طبق الفول بالزيت الحار مع رغيفين خبز بلدي وقطعة بتنجان مخللة منذ زمن مضى، أبحث عن غرفة كما يبحثون عن طريق الانترنت لكني لم أنسَ سماسرة مصر العظماء ممن لديهم القدرة على إقناعك أنك ستسكن في شقة أشبه بشقة وزير ما، رغم أن مساحتها 60 متر بالمناور. أهلا مسيو، أنا مهتم بهذه الغرفة. أهلا مدام، أنا مهتم بهذه الغرفة.أهلا يا اسطه،خخ، أنا مهتم بهذه الغرفة. لا أحد يرد؛ شعرت أنهم يشعرون بأنني روبوت إليكتروني فلا يردون. أخبرت صديق عن هذا، فنصحني بأن أرسل لهم مُلخصًا عن حياتي وخبراتي وعملي وتعليمي. سألته ماذا عن أبي؟ لم يفهم! حتى الهزار هنا لا يمكن ترجمته للغة أخرى. أحضرت سيرة ذاتية قوية يتمناها أي زملاء منزل محتملين. بالفعل بدأ الناس يردون ويعتبرون أنني لست كائنًا وهميًا، لكن الردود برغم أنها لطيفة كانت مرفقة ببعض الشروط ومنها: أرسل لنا عقد العمل، أثبت لنا أنك دفعت آخر 3 شهور في منزلك الحالي، قل لنا لماذا تريد أن تترك المنزل الحالي؟وما الذي تتوقعه في منزلنا، صف لنا شخصيتك، ماذا تحب أو تكره؟ هل تأكل اللحمة؟ متى تنام أو تستيقظ؟ هل لديك أصدقاء في بلجيكا؟ هل تحب الحيوانات؟ مع الأيام اكتشفت أن هذه أسألة عادية هنا، لأنك ستشارك الحياة مع آخرين ولأنهم يعتبرون أنهم يختارون عائلة لهم؛ ليتني مثلهم اخترت الأشخاص قبل المنزل؛ لكنني كبهيمة وجدت نفسها تغرق في ترعة المريوطية لأنها ظنت أن الريم الأخضر الذي يُغطي الترعة أرضًا صلبة. عليا الطلاق لتاخد المفتاح دلوقتي.. هذه مقولة عم مسعد وشركاه، أحد سماسرة شارع الهرم الذي ساعدني في العثور على شقة إيجار بين الهرم وترسا ولما أعجبتني واحدة حلف بالطلاق أن أحصل على المفتاح الآن رغم أنها كانت بلا مفتاح لأني شطبتها من الآلف إلى الياء، السهولة تكمن في مبلغ الألف جنيه التي حصل عليها مسعد وفي ال 50 جنيًها للبواب الذي اعتبرني ظلمته رغم أنه لم يفعل شيء فأعطيته 50 أخرى لكنه أصر على أنني ظالمه، كانت هذه أولى تعاملاتي مع البوابين ولم تكن الأخيرة، لقد صرت خبرة في التعامل مع البوابين، إذا قال لك “أي خدمة يا باشا” فلم تغمزه بمصاريف طلوع الأسانسير فأنت هالك.سيدة جميلة تنشر إعلانًا على فيسبوك وتقول أنهم يبحثون عن شخص ما ليحل محل فلان الجميل الذي سيتركهم ويسافر إلى السويد، أرسلت لها على اعتبار أنني جميل مثلهم، لم ترد؛ فؤجئت بعدها بمنشور آخر لها في مجموعة فيسبوكية أخرى لكنها أضافت هذه المرة في آخر الإعلان “ملحوظة يحب أن تكون صورة الشخص مشابهة لصورة البروفايل خاصتي” قلت لنفسي هذه بالتأكيد صدفة مضحكة ليس إلا، بالتأكيد لا يمكنني ارتداء هذا الفستان مثلها، إنها لم تقصدني، صح؟ فتحت صورتي على فيسبوك ودققت فيها، هل أنا جميل؟ يبدو أن شعري ولحيتي يظهروني على أنني شخص جاد جدًا، أخاف من هذه اللحظات التي قد تجعلني أحلق لأصبح جندي مجند في الغربة وأرى أن أذناي كبرتا فجأة، فأتماسك وأكمل رحلة البحث.أهلًا آماد -هذا اسمي هنا- تُحذف الحاء دائمًا، مبروك أنت من بين المرشحين لأن تكون زميل منزل. كان هذا الخبر مبهجًا جدًا، بنفس درجة بهجتي عندما أخبرتني إحدى المنظمات الحقوقية يومًا أنني من المرشحين للحصول على جائزة حرية الصحافة، فلا المنظمة اختارتني ولا زملاء المنزل المحتملين فعلوا.قالت صديقة أوروبية لصاحب “ستديو” عبارة عن غرفة بمنافعها، أنها مهتمة بتأجيره، فكان الرجل مُرحّبًا جدًا كما يُرحّب العرب بضيوفهم لدرجة أنه كان سيدفع لها إيجار مقابل سكنها في المكان، لكنها فاجئته أنني الذي سأسكن؛ ولما أرسلت رسالة لأقول مرحبا أنا فلان الذي حدّثتك عنه فلانة، ردّ بعدها “حسنًا سيد زيادة، أنا مشغول هذه الأيام للأسف وسأرسل لك قريبًا” ثلاثة أشهر مضت ولم يرسل لي.سيدة عجوز أخبرتني عبر الهاتف أن المنزل للأوروبيين، قلت لها سأتصل بك بعد أن تنضم مصر إلى الاتحاد الأوروبي، أو عندما تصبح بشرتي بيضاء بفعل غياب الشمس المستمر، أو على الأقل عندما أستطيع أن أقول “بونجوووغ” بدلًا “بونجور” كدليلا على طلاقتي في اللغة الفرنسية.لقد اكتسبت خبرات ضخمة في البحث عن غرفة، لكنني لم أستفد من هذه الخبرات حتى الآن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s