كنا نغني "شد الحزام".. وكان للدواعش رأي آخر

رويترز


مدونات الجزيرة


استطاع أحدهم تهريب راديو به ذاكرة “ميموري” مليئة بأغاني سيد درويش والشيخ إمام، وكنت قد أوصيته بها، وفي مرة كان يستمع إلى سيد درويش.
“شد الحزام على وسط غيره ما يفيدك
لا بد عن يوم برده ويعدلها سيدك
إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك
أهون عليك يا حر من مدة إيدك”.
فإذا بأحدهم يصيح:  الموسيقى “حراااام”، اتق الله يا أخي، وأغلق هذا الكفر. لم يقلها على شكل نصيحة، قالها وكأنه يهدده، من دون أن يعي ما يغنيه سيد درويش. كان هذا في سجن أبو زعبل عام 2015، وكانت هذه أولى البدايات مع الدواعش، فقد نقلتنا إدارة السجن إلى زنزانة أخرى لتعاقبنا بشكل جماعي، ودمجتنا مع أربعة عشر سجينا جنائيا، وكان هذا أول موقف بيننا وبينهم، وبدأ الاكتئاب الجماعي.

كنا نحو 23 طالبًا، وثلاثة ينتمون إلى الإخوان، وواحد سلفي، وصحفي سيء الحظ “أنا”. تعايش الإخوان والسلفي معهم في البداية وكانوا يتعاملون على أنه أمر طبيعي، حتى ساءت الأمور بينهم. ففي إحدى خطب الجمعة، قال الإمام: الإخوان جزاهم الله على ما فعلوه بنا، كانوا يحكمون بالكفر. وهنا بدأت المعركة بين الإخوان والدواعش، ووقف السلفي مع الإخوان وتضامن معهم.
الأمر ليس مضحكًا فهم كانوا 14 داعشيا فقط في زنزانتنا، ازداد عددهم بشكل لافت وسريع، ونجحوا في أن يوزعوا أنفسهم على الزنازين الأخرى بعد أن دفعوا السجائر للشاويشية والمخبرين، بهدف الدعوة للانضمام إلى ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وبعدما كنا نسمع أصواتًا تغني ليلًا أغاني الشيخ إمام، وحمزة نمرة، وأغاني شباب الألتراس، وتواشيح النقشبندي المنبثقة من زنازين أخرى، ظللنا نسمع أناشيد داعش، منها أناشيد تفتخر بتفجير برج التجارة العالمي الذي قتل فيه مدنيون؛ يقولون: “بالذبح جيناكم”:
“وين أيامنا وين
وين قضيناها
راحت في غمضة عين
يا محلى ذكراها
قائدنا بن لادن
يا مرهب أمريكا
بقوة الإيمان
وسلاحنا البيكا (1)
أميرنا الملا (2)
عن دينه ما تخلى
كل الجنود باعوا
أرواحهم لله
شرطة مصرية
ردة ونفاقية
بالذبح جيناكم
لا لا اتفاقية
دمرنا أمريكا
بطيارة مدنية
برج التجارة غدا
كومة ترابية”
كنت أعلم أنني سأسجن، لكني لم أعلم أنني سأسجن مع هؤلاء، كنت أعتقد أني سأسجن مع الذين يغنوا للثورة والوطن والشهدا، لم أعتقد أنني سأستمع يومًا لأغنية عنوانها “بالذبح جيناكم” في أي حال من الأحوال، لذا أوجه الشكر لوزارة الداخلية التي أتاحت الفرصة لي ولطلاب قبض عليهم عشوائيًا ليستمعوا إلى هذه الأغاني، وليتشبعوا منها طوال فترة الحكم عليهم.

جاءني “ع.ع” وهو طالب في كلية الهندسة، يخبرني بأن أحد الدواعش كان يحاول تجنيده، فـ”ع” طالب هندسة عبقري، كان يخترع الأشياء ببساطة، وكان يقدر على أن يحول لمبات النور إلى شاحن موبايل داخل السجن بمتطلبات بدائية، وكان طالبا في هندسة الأزهر، والتحق سابقًا بجامعة زويل، وهو الآن في سجن العقرب. قال لي إن الدواعش يحاولون تجنيده، وإنهم قالوا له لو انضم لهم لن يحارب، ولكنه سيجاهد في سبيل الله بعقله فقط، فهم يُقدّرون مثل هذه العقول العبقرية، ولن يُضحوا بها في القتال، وإنه لو انضم لهم سيكون مُكرمًا، وسيتزوج بفتيات جميلات عفيفات. أخبرني “ع” بكل هذا وكان يضحك؛ ولكني لا أعلم ماذا كان يدور بخاطره؛ شعرت بأنه قد اقتنع بما قالوا، وبالفعل رأيته يجلس معهم في مرات عديدة، حتى صار كأنه منهم.
بعدما حدث خلاف بين داعش والإخوان داخل الزنزانة، كانت هناك منافسة على خطب الجمعة، وكسب الدواعش المنافسة لكثرة عددهم في الزنزانة، وفي إحدى خطب الدواعش تحدث الخطيب عن الحاكمية، وكفّر كل من لا يؤمن بالحاكمية، واستمع له الطلاب، وأعتقد أنهم لم يفهموا منه شيئًا، ولكنهم سيفهمون حتمًا، ومنهم من سيصير مثل الخطيب. ومن الواضح أن صاحب خطبة الحاكمية أعجبه الأمر، وفي صلاة العصر تعمد أن يدعي لإمامهم “أبو بكر البغدادي” قائلًا: “اللهم انصر عبدك وأمير المؤمنين أبا بكر البغدادي على الكفار والمشركين”. قررت ألا أصلي معهم أبدًا، ولما أيقظني أحدهم لأصلي الفجر، قلت له غاضبًا لن أصلي، ولا توقظني مرة أخرى، وامتزج صوتي بنبرة تهديد، فبدأوا يتجنبوني.
صنعت خيمة صغيرة من أقمشة الملاءات، وتقوقعت بها ولم أخرج منها إلا للضرورة، وقرأت كتبًا كثيرة، وكتبت عن كل شيء في السجن، حتى لو لم يكن يستحق الكتابة، وأخذت قرارًا بألا أتناقش مع مخلوق في مسألة فكر أو عقيدة، وعلمت أن عليّ الابتعاد عن النقاش في هذه المرحلة، وأعتقد أنه بعد خروجي من السجن فضلت ألا أتناقش كثيرًا واكتفيت بالسكوت، فلم أعد أحتمل سماع أي كلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
1- البيكا: سلاح رشاش متوسط ضمن مجموعة أسلحة متعددة الاستخدام، يجمع صفات كل من الكلاشنكوف والديكتريوف.
2- الملا محمد عمر: الأمير الأيدولوجي لحركة طالبان.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s