إنهم يسرقون حياته

Ap

مدونات الجزيرة

كنت سابقًا ممن يؤمنون بأن السجن لا يقدر على حبس أفكارك، وأدركت لاحقًا أن السجن قادر على فعل ذلك، وقادر على حبس روحك وفكرتك وصوتك حتى ينساك الناس. السجن كما قال الماغوط “أن تكون غير مطمئن.. حتى إلى أحلامك”. وهذا ما حدث مع علاء عبد الفتاح، السجين الشهير المنسي الذي اعتاد الناس على سجنه.

لا أتذكر كم مرة أردت الكتابة عن علاء، ولكني أعلم أنني حاولت كثيرًا فلم أستطع. الكتابة عن علاء مُرعبة، وثقيلة جدًّا، وتجعلني أختنق، إنهم يسرقون حياته أمام أعيننا. ثم إن الكتابة عن السجناء بشكل عام قد تقودك إلى عزلة لا يعلم نهايتها إلا الله. يقولون إن في السجن نحو 60 ألف سجين، وإذا كتبت قصة كل واحد فيهم سأحتاج إلى 60 ألف مقال، و60 ألف حياة، فبعد كل كلمة أكتبها عن سجين أشعر بأن الحياة توقفت وأحتاج إلى أخرى، ولكني سألت نفسي سؤالًا: “إذا شعرنا بالموت لأننا نكتب عن السجناء فقط، فما بال السجناء أنفسهم؟”.

هل أكتب عن علاء الذي منعوه من قراءة الكتب داخل محبسه أو من الاطلاع على مجلات ميكي ماوس؟ إلى أن تقلصت أحلام أسرته من الإفراج عنه إلى محاولات بائسة لإدخال الكتب إليه، فرفعت أسرته دعوى ضد رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس مصلحة السجون يطالبون فيها بإدخال الكتب إلى سجين في حبس انفرادي.. وعندما تتساءل ما الخطر الذي قد تسببه الكتب أو مجلات ميكي ماوس قد يبدو السؤال ساذجًا، لأنه لا معنى لذلك سوى أن الدولة لا تحب علاء، ولا تحب أن تجعل أيامه خلف الجدران تمر سريعًا.
الكتابة عن علاء مؤلمة، لأنك ستضطر إلى الكتابة عن بدايته، ليست بداية السجن، ولا بداية عودته إلى مصر، ولا بداية الثورة، لكنها بداية مولده.. وُلد علاء فوجد أباه “أحمد سيف الإسلام حمد” في السجن! وفي هذا قال سيف: “أنا آسف إني ورثتك الزنازين ولم أنجح في توريثك مجتمعًا يحافظ على كرامة الإنسان، وأتمنى أن تورث حفيدي خالد مجتمعًا أفضل مما ورثتك إياه”. ولكن خالد ابن علاء حتى كتابة هذه الكلمات لم يرث المجتمع الديمقراطي الذي تمناه جده له، فخالد أيضًا ولد ليجد والده في السجن!

أما سيف الغلابة أحمد سيف الإسلام فقد توفي وترك علاء سجينًا، وكانت شقيقته سناء سجينة هي الأخرى لأنها طالبت بالإفراج عن علاء ورفاقه في قضية مجلس الشورى، خرج رفاق علاء في القضية بعفو رئاسي، عدا هو وطارق موكا، وقد قال سيف سابقًا إنه “لن يطلب عفوا رئاسيا من أحد لنجله، ولكنه يريد فقط المحاكمة العادلة”. وهذا ما طلبه علاء نفسه أثناء محاكمته “المحاكمة العادلة” فاتهموه بإهانة القضاء! ودائمًا ما يؤخذ كل كلام علاء ومواقفه إلى المحكمة، في أحداث ماسبيرو حاكموه عسكريًا واتهموه بسرقة دبابة، لموقفه حينها من مساندة الأقباط.

سُجن علاء، كم مرة؟! لا أدري، ولكنه سجّل رقمًا قياسيًّا في عدد مرات الاعتقال. سُجن في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ثم في عهد المجلس العسكري، وبعدها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، والرئيس السابق المؤقت عدلي منصور، وأخيرًا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وفي 19 (أكتوبر/تشرين الأول) الجاري تنظر محكمة النقض الحكم الصادر ضد علاء في قضية مجلس الشورى بالحبس 5 سنوات والمراقبة 5 سنوات، بعدما أمضى في السجن 3 سنوات ونصف، وفي انتظاره حكم في قضية أخرى تم تأجيلها 3 أشهر من دون داع وهي قضية “إهانة القضاء”.
قبل أن يُسجن علاء قال: “موتوا من الرعب على الناس اللي في السجون واتكلموا عنهم خلونا نطلعهم، لأن السجن والتعذيب مش رومانسية”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s