كبسولة حمراء وشخشيخة !

gettyimages.com

الشخشيخة

عندما سمعت هذا الكلمة لحظة دخولي السجن، شعرت بأنهم سيجعلونا نفرغ ما في بطوننا بشكل جماعي “شخ.. شيخة” هكذا خُيّل لي، سمعت الكلمة بعد التشريفة، ووجدت جسدي يستعد لما هو آت.
= ودوهم الشخشيخااااااااااااااااااة.. هكذا قال أحد الضباط غاضبًا، وكأنه يقول “اغتصبوهم”.  وكان صوته عاليًا كصوتحشرة “السيكادا الإفريقية” الأعلى صوتا بين حيوانات العالم. والتي قد تؤدي إلى جروح في طبلة الأذن لو سمعها الإنسان من مسافة قريبة.
    شعر جسمي حينها بالبرد وأفرزت هرومانات الخوف التي اشتمها المخبر، وذهلت مما سيحدث.لكني اكتشفت في النهاية أن الشخشيخة ليست إلا  “حوش” صغير ،مغلق بالقضبان من الأعلى ومن كل جانب.
لو كنت في عهد “مبارك” كان يجب علىّ أن أرتعد من هذه الشخيشخة، فقد أخبرني أحد الجهاديين الذي قابلتهم عنها، وقد سجن في هذا السجن من قبل:
= لقد تم تصميمها بهذا الشكل من أن أجل أن يخرج السجناء من زنازينهم في الطوابق العليا ويستطيعون رؤية الشخشيخة بشكل كامل.
– هذا جيد يا شيخ، أمر طيب، فلنعتبرها تهوية!
= أنت الطيب، لم يفعلوها للتهوية، هذه الشخيخة كان في منتصفها “عروسة” ظلت حتى عهد مبارك، هذه العروسة يصلب عليها السجين ويُجلد عقابًا على أتفه الأمور، يحدث هذا بعد أن يخرج كل السجناء من زنازنيهم ليشاهدوا ما يحدث للسجين وليتعظوا. “شخ.. شيخة”. على كل حال تحولت الشخيخة فيما بعد إلا مكان لانتظار المساجين عند ترحيلهم للمحاكمة، أو لانتظار زيارة ذويهم. وكانت الشخيخة حلم السجناء، كان يدفع بعضهم السجائر للشاويش من أجل أن يتمشى بها مع سجناء الانتظار، لأنها واسعة إلى حد ما.
كبسولة حمرا
 كان يومًا شاقًا، وكانت هذه جلسة التجديد الأولى في معهد أمناء الشرطة، استيقظنا في السابعة صباحًا، وركبنا سيارة الترحيلات في التاسعة، ووصلنا إلى أكاديمية الشرطة حيث مكان المحاكمة الذي لن نتمكن فيه من رؤية ذوينا أو أصدقائنا في الحادية عشر صباحًا.
 وضعونا في القفص مُكبلين بالحديد، وانتظرنا سيادة القاضي الذي وصل في الخامسة مساءً، ولم يجلس سوى دقيقتين فقط، لم يستمع إلى أي مرافعة، ولكنه اكتفى بالنظر إلى بعض الأوراق، وأمر بتجديد حبسنا، فغضب الطلاب الذين كانوا يريدون الدفاع عن أنفسهم وصاحوا بأعلى أصواتهم. فنظر لهم القاضي لا مباليًا وترك المنصة وذهب.
  أخلت قوات الأمن القاعة فورًا من المحاميين، ووضعونا في سيارة الترحيلات نحو ساعة ونصف تقريبًا، من دون تحرك، ودعني أخبرك أن 5 دقائق في سيارة الترحيلات كفيلة بأن تُشعرك بأنك في هذه السيارة اللعينة منذ مائة عام. عدنا إلى سجن  أبو زعبل في التاسعة ليلًا، عدنا وكأننا موتى لا نقدر على التنفس بصعوبة، سيارة الترحيلات تشبه مقبرة متحركة، وقفص المحاكمة يشبه مقبرة زجاجية، وكلابشات حديدة طوال هذه الفترة لا يتحملها حيوان شرس، لا هواء في قفص المحاكمة، ولا حياة في سيارة الترحيلات، ولم نأكل أي طعام منذ الصباح.
 وقفنا في مدخل السجن نحو ساعة أخرى كإجراء روتيني يحدث بعد كل جلسة محاكمة، وبعدها يتم تفتيشنا كي لا ندخل بممنوعات.. بعد انتهاء التفيتش استقبلنا رجل يرتدي ترنج رياضي، ونظارة تشبه “قعر كباية الشاي” وسألنا:
= حد تعبان.
أجبنا جميعًا بالإيجاب إلا قليلًا، فتعصب وقال:
= احنا ناقصينكم على آخر الليل، عايزين ننام.
لم أفهم حينها، من هذا الكائن الذي يرتدي قعر كباية؛ هل هو سجين جنائي؟! أم أنه كان يلعب كرة القدم في فريق طلائع الجيش، فقرروا حبسه في سجن أبو زعبل عقابًا على الخسارة بهذا الترنج الرياضي؟!
جلس على كرسي خشبي، وأمامه مكتب في ساحة الشخيخة، وأمرنا أن نمر عليه واحدًا تلو الآخر، ولما جاء دوري حدث الآتي:
= بتشتكي من إيه، خلّص؟
– جالي برد وسخونية وبطني فيها شوية مغص والصداع هيفرتك دماغي والكحة مبترحمش.
ترك كل هذا وسألني:
= كحة ببلغم ولا ناشفة؟
– ناشفة؟ آه ناشفة بس مش أوي، بس هو إحنا هندخل للدكتور إمتى؟
= انت هتستعبط يا ابني؟ ما أنا قدامك أهو؟
نظرت للترنج ولنظارته ورفعت حاجبي:
– أنا آسف يا دكتور مخدتش بالي والله كنت فاكرك الـ…
= الإيه بقى إن شاء الله.
– ولا حاجة، بس أنا تعبان شوية.
نظر الطبيب الذي أشك في كونه طبيب يمينًا ويسارًا، وفتح كيس أسود ، والحقيقة أنني لا أحب الأكياس السوداء لإنني أخذت عنها انطباعًا ورثه لي أمي، بأن الأكياس السوداء مخصصة للزبالة، أفرغ الكيس الأسود على المكتب، وكان به كبسولات مقطعة بالمقص، ذكرتني بصيدلية في الأرياف تبيع الأدوية بالكبسولة الواحدة، وقال:
= انت هتقف تتفرج عليا؟ دور معايا ع الكبسولة الحمرا، عايز أنام بقى خلوا عندكم دم.
لم أرد، وعثر على الكبسولة الحمراء وقلت:
– اتفضل يا دكتور، الكبسولة الحمراء.
= خدها قبل ما تنام.
– أنا؟
= أمال أمي.
– مش قصدي بس بقول حضرتك هموت من التعب، تديني كبسولة حمرا؟
= أيوة يا أخويا كبسولة حمرا، تاخد واحدة زرقا، لو اللون مش عاجبك؟!
يبدو أنه يحاول أن يصير خفيف الدم منذ ولدته أمه، ولا يدري بأنه أسخف من الخليل كوميدي.
– لا مش قصدي اللون حضرتك، بس أنا كنت عايز أعرف…
=  عايز تعرف؟! انت فاكر نفسك في مستشفى خاصة ولا إيه يا حبيبي؟ إنت في أبو زعبل، مفيش حاجة اسمها تعرف هنا.
– شكرًا يا أسطه، قصدي يا دكتور.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s