التقينا.. وفرّق بيننا سلام دافئ

رويترز

مدونات الجزيرة

كنت أفكر في طعامي، وشرابي، وملبسي، وأحدّث نفسي عن القضية، قضية كرة القدم، وأخطط لمستقبلي.. لو أنني بقيت خارج السجن في الفترة المقبلة سأتخلّى عن أكل اللحوم إلّا في العزومات، وسأشتري حذاءً جديدًا في عام 2030، وأقتني ملابس الشتاء عندما تتقدم البلاد العربية، وسأقلع عن التدخين فورًا طالما لم يعزمنِ أحدهم على سيجارة، وسأشرب من ماء البحر لو ظلّت فواتير المياه مرتفعة إلى هذا الحد، كما أنني سأعيش على ضوء الشموع هربًا من مُحصّل الكهرباء.. هكذا كنت أفكر في نفسي، بينما كنت أمشي على قدمي توفيرًا لسعر المواصلات. وبالصدفة، كنت في نفق العروبة، وهو آخر ما تبقى من العروبة، بالإضافة إلى طريق العروبة في المملكة العربية السعودية.. وفي هذا النفق المظلم قابلتها، كان وجهها شاحبًا وتبدو أنها منهكة وأن أحدهم تحرش بها أو اغتصبها، ابتسمت لي ولكن ابتسامتها بدت لي كأنها تبكي، كانت أنفاسها عالية ولكنها تشبه الموتى، لم أعرفها في البداية، أو عرفتها وتظاهرت بأنني لا أعرفها، فحدقت في عيني جدًا وكأنها تعاتبني، وقالت “لِمَ تتجاهلني؟ ألم تقل لي يومًا أنك تؤمن بي؟”.
عندما سمعت صوتها شعرت برعشة في جسدي وانقباض في قلبي؛ إنها هي ذاتها التي كنت أدافع عنها منذ الصغر، هي التي حدثت عنها أبي وأمي وأصدقائي وزملائي في المدرسة، أذكر جيدًا أن أستاذي عاقبني لأنه رآني أرفع صورتها في الشارع وأهتف باسمها، وأرسمها على الجدران، ولا أخجل من الوقوف في مقهى شعبي لأحدّث الناس عنها..
إنها القضية الفلسطينية، وكانت تتمشى في نفق العروبة ذهابًا وإيابًا، دون أن تمل، تبحث عن شيء ما، وكان يجلس على رصيف نفق العروبة مجموعة الناس مكبلين الأيدي، ومكممين الأفواه، وعلى الجانب الآخر يجلس الملوك والأمراء والرؤساء العرب بجوار بعضهم وينظرون إلى فتاة تقف أمامهم وملامحها تبدو غريبة، ولكن نظراتهم لم تكن بريئة، حتى أن أحدهم كان يداعب ما بين قدميه في الخفاء ولكنه مع الوقت لم يخجل من فعل ذلك في العلن، وآخر يسيل  لعابه بشكل ملفت، وآخر يفتح فاه على آخره، وآخر عيناه ستنفجر من فرط النظر إلى الفتاة، كانت الفتاة ترتدي بدلة رقص بيضاء وعلى مؤخرتها رسمت نجمة زرقاء، وكانت تحاول إظهار كل ما تقدر عليه من جسدها، وفي وقت قصير نجحت في أن تجعلهم جميعًا ينامون في أحضانها، لا لجمالها، وإنما لشهوتهم.
تجاهلت هذا المشهد وأخبرت القضية أنني لم أنساها، ولكننا جميعًا انشغلنا بكأس الأمم الأفريقية، وبعد فترة انشغلنا ببطولة كأس العالم، وقلت لها “الحقيقة أنهم لن يتركوني وحالي لو كتب عنك، لذا اعذريني لو قصرت في حقك، لقد تغيرت الأمور كثيرًا”.
قالت: أخبرني عن الجديد؟!
قلت: هل تذكرين عندما قال الماغوط أن ” أمة بكاملها تحل الكلمات المتقاطعة، وتتابع المباريات الرياضية، أو تمثيلية السهرة، والبنادق الإسرائيلية مصوبة إلى جبينها وأرضها وكرامتها وبترولها”.. الآن يا قضيتي تغير كل شي، الأمة لم تعد تحل الكلمات المتقاطعة لسببين، الأول أن العقل العربي لا يقدر على التفكير سوى في الطعام، والثاني أن الجرائد أسعارها مرتفعة. لكن اطمئني، ما زالت الأمة تتابع المباريات الرياضية جيدًا، والبنادق لم تعد إسرائيلية فقط، ولكنها صارت عربية إسرائيلية، وكلها مصوبة لكِ، وأعتقد أننا سنفوز في مباراة كرة القدم المقبلة بفضل الله.
قالت: سمعت أن أحد الرؤساء أرسل خطابًا لمجرم الحرب “شيمون بيريز” وقال فيه “صاحب الفخامة السيد شيمون بيريز عزيزي وصديقي العظيم”. هل هذا صحيح؟!
قلت: نعم، ولكننا لم نتركه وحاله، لقد وقفنا على قلب رجل واحد وغضبنا غضبة رجل واحد، ثم رميناه في السجن. والحقيقة أننا أيضًا رُمينا في السجن معه، ولا تسأليني كيف؟ لأن هذه مسألة معقدة جدًا.
لمعت عيناها من الفرحة عندما علمت بشأنه، وكادت أن ترقص من الفرحة وتحتضنني.
قلت: ولكني أريد أن أكون صريحًا معكِ، لقد حدثت بعض الأمور بعدما سُجن هذا الرئيس، لقد جئنا برئيس آخر.
قالت: لن أفقد الأمل فيكم أبدًا.
قلت: لكن في عهده، وتحديدًا في أكتوبر 2015، صوتت القاهرة لانضمام إسرائيل لعضوية «لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي»، في سابقة كانت هي الأولى من نوعها.. وصوّتت مصر في سبتمبر 2015، لصالح الاحتلال الإسرائيلي «دورون سمحي»، لاختياره نائبا لرئيس اتحاد دول البحر المتوسط لكرة اليد، إضافة إلى دولة عربية أخرى؛ منها تونس.. وفي يونيه/حزيران 2016 صوتت مصر لصالح سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، ليكون رئيسًا للجنة القانونية في المنظمة الدولية، بجانب دول عربية أخرى من بينها «الأردن والمغرب» ووصف السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، انتخابه رئيسًا للجنة القانونية في الأمم المتحدة، بأنه “إنجاز لإسرائيل على الحلبة الدولية بعد 67 عامًا من عدم تعيين أي ممثل عنها في رئاسة أي لجنة دائمة للأمم المتحدة”.
قالت: لا عليك، لا بد أن الرئيس الجديد غضب من هذه الحماقات.
قلت: هو بالفعل غضب، لكنه غضب منّا لأننا ننتقده، واتهمنا أننا عملاء لكِ! ويبدو أنه لم يبال لانتقادنا فأرسل وزير خارجيته للعزاء في شيمون بيريز.
وبينما كنت أتحدث معها وأشرح لها ما يحدث، جاء أحدهم وكان يرتدي بدلة مدنية، ولكنها تبدو لي عسكرية، وقال لها: “ما الذي جاء بك في منتصف نفق العروبة، كفى ظلمًا وعلينا أن ندفئ الأجواء، لو سمحتي اتركي النفق لهذه الفتاة التي ترقص وتعري ساقيها هناك، اتركي نفق العروبة وسأعطيك قطعة أرض تسكنين فيها في سلام وأمان”.
حاولت القضية أن تتكلم فقط لتدافع عن حقها وتخبره بخطئه، ولكنها وجدت نفسها مكممة، مكبلة، مقبوض عليها، بتهمة معاداة السلام الدافئ.

والحقيقة أنني اكتفيت بالمشاهدة، وكتمت إيماني بالقضية، وعدت إلى التفكير في طعامي وشرابي وملبسي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s