اعتبرهم سعوديين يا أخي !

تصوير: سيد حسن

مصر العربية

“الدول المتقدمة تضع المواطن فوق دماغها والدول التافهة تضع المواطن في دماغها”.
الراحل جلال عامر.
***
الدولة تطاردنا، تحاول أن تعبئ الهواء في زجاجات كي توزعه علينا بالتساوي، وتعده ضمن إنجازات السيد الرئيس!
تساءلت كثيرًا عن السر الذي جعل الدولة لا تترك الفقراء وحالهم، ألا يكفيهم ما لديهم، لماذا يحلو لهم كل ما يملكه الفقراء؟!
القانون ينص على أن كل الأراضي الصحراوية ملك للجيش، وهل اعترض أحد؟! الجيش خط أحمر، لا يجب أن نتخطاه وإلا نُحاكم عسكريًا، ونوضع في زنازين مكدسة بأكوام اللحم البشري!
هل يمكن لكادح يظن أن القوانين ليست ظالمة طالما يجد الخبز، ويؤمن أنه يعيش في أزهى عصور الحرية طالما بيته الصغير لم يصبه دور الإزالة، ويعتقد أنه تعلم كل شئ في الحياة لأنه يجيد الفلاحة أو الصيد أو النجارة أو الحدادة أو الحياكة، ويؤمن بأنه يكسب جيدًا لمجرد أنه ما زال على قيد الحياة، أي حياة، حتى لو لم تكن كريمة، أن يعترض على أن رئيس الجمهورية تفرّغ تمامًا لكتابة قرارات جمهورية تعطي القوات المسلحة حق الحصول على آلاف الفدادين من الأراضي في شرق مصر وغربها، في صحرائها وطرقاتها ونيلها وبحرها؟! الإجابة -لا- لن يعترض، ولن يفكر، فإنها قوات، ومسلحة؟! وهو فقير ومصري!
لماذا تضع الدولة “التافهة” المواطن في دماغها، بينما هو لا يضع في دماغه إلا “كيف يحصل على قوت يومه وأولاده؟!”
لماذا تتنافس قوات الأمن المصرية مع جارتها الإسرائيلية، على أن يتم التقاط صور وهم يهجرون السكان الأصليين لمنطقة لمصر، كما يهجر أهالي فلسطين؟!
لماذا تطمع الدولة في “كحكة” الفقير أو اليتيم، وتنظر إلى عششهم التي قد تتحول إلى قصور بميزانية ربع إعلان من إعلانات السيد أحمد أبو هشيمة زود الله قنواته وجرائده وأذرعه الإعلامية؟!
الدولة تزعم محاربة العشوائيات، ولكنها لا تحارب إلا ساكنيها، تدعي محاربة الفقر وتحارب الفقراء، تعلن أن المواطن في قلبها وتضعه في دماغها!
***
فوجئ أهالي جزيرة الوراق أمس الأحد 16 يوليو، باقتحام قوات الأمن لجزيرتهم، ومحاولة هدم المنازل والعشش، بدعوى الحفاظ على المال العام ولأنها مخالفة للقانون لكونها ملك الدولة؛ أي دولة؟! -دولة الجنرالات ورجال الأعمال-الدولة إن لم تراع الدولة هؤلاء الفقراء وساكني العشش والبيوت الصغيرة فلا تصلح أن يطلق عليها دولة. كما لا يمكننا أن نطلق عليها “تكية” فالتكية لها أغراض دينية منها دينية صوفية، وتساعد عابري السبيل لوجه الله، أما دولتنا فتقتل عابري السبيل، لذا سنطلق عليها كما أراد رئيسها، “شبه الدولة”.
قتلت قوات الأمن شابًا من أهالي جزيرة الوراق، اسمه “سيد حسن على الجيزاوي” لماذا؟!
حاول بيع الجزيرة للسعودية فاتهمه الأمن بالخيانة؟!
– الإجابة “لا” كل ما في الأمر أنه كان يدافع عن منزله الصغير الذي ولد فيه، فوضعته الدولة في “دماغها” وقتلته.. ليس هذا فحسب، بعدما صعدت روح “الجيزاوي” إلى السماء، وتباطأت المستشفى في تسليم جثته إلى ذويه مما أثار غضبهم، حصلوا على جثته بالقوة طالما أن القانون لم يوضع إلا لإذلالهم؛ فماذا حدث؟!
– اتهم الدكتور أحمد حجاج، مدير المستشفى، أهالي الضحية في محضر رسمي، بالاستيلاء على جثة الجيزاوي!
جميل، قَتل ابنهم لأنه يدافع عن منزله، وهم الآن متهمون بسرقة جثته، وقد يسجنون!
جزيرة الوراق تبلغ مساحتها نحو 1400 فدان، ويسكنها حوالي 60 ألف مواطن، ولها موقع متميز، حيث تقع على ضفاف النيل، ويحدها من الشمال محافظة القليوبية ومن الشرق محافظة القاهرة، ومن الجنوب محافظة الجيزة.
ويبدو أن موقعها جعلها عرضة لانتهاكات شبه الدولة، فالداخلية كشفت أنها وقت اقتحامها الجزيرة كانت تنوي هدم 700 منزل.
***
لم تكن جزيرة الوراق وحدها تعاني بطش الدولة، سبقتها جزيرة “القرصاية” والتي تخطى عدد سكانها نحو 6 آلاف مواطن، ومساحتها حوالي 139 فدانًا، وتعد جزءا من جزيرة الدهب الواقعة في محافظة الجيزة وتتبعها إداريًا؛ ويسكنها فلاحون وصيادون خاضوا معارك طويلة مع الجيش ورجال الأعمال، لوقف المحاولات المتكررة لتهجيرهم من أراضيهم، وهدم منازلهم.
في 11 سبتمبر 2007، فوجئ أهالي جزيرة القرصاية بمحاولة اقتحام عناصر من الجيش جزيرتهم، وجاءوا على متن مراكب كيبرة وكأنهم غزاة يريدون احتلال الأرض، واستعمل الجيش الهراوات والعصي الكهربائية حينها. وفق ما ذكرت جريدة المصري اليوم.
حصل أهالي الجزيرة على حكم قضائي في 2010، يؤكد على حقهم في جزيرتهم، وكالعادة لم تلتزم الدولة بهذا الحكم، وضربت به عرض الحائط، وفوجئ أهالي الجزيرة  في 18 نوفمبر 2012 بقوات من  الجيش تقتحم الجزيرة عبر، مما اضطر أهالي الجزيرة للدفاع عن أنفسهم وعن بيوتهم بأجسادهم، وأسفرت الأحداث عن مقتل صياد يدعى محمد عبد الجواد، 25 سنة، واعتقال 25 شخصًا وتقديمهم لمحاكمة عسكرية  بتهم التعدي على عناصر القوات المسلحة.
***
بعد ثورة يناير، وبعد مطالبات بمحاكمة مبارك “محاكمة عادلة” ظهرت مجموعة قليلة تحاول التأثير في مشاعر من يطالب بمحاكمة مبارك قائلة: “اعتبره أبوك يا أخي”.
وبعيدًا عن أن الرد المنطقي لأصغر مواطن كان: “أبي لم يسرق ولم يأمر بتعذيب الناس في مقرات الأمن الوطني ولم يرتكب كذا وكذا..”.
هناك شئ ما يشعرني بأن من كانوا يطالبون باعتبار مبارك أب لنا، هم نفسم الذين قالوا تيران وصنافير سعودية، وهم من يؤيدون قرارات الحكومة الاقتصادية التي لن تؤدي إلا لمزيد من الفقر، وهم من يؤمنون بأن مصر تحتاج إلى رجل عسكري لحل كل المشاكل، وطبعًا هم من يؤيدون تهجير أي مواطن من أي مكان من دون نقاش بالتوزاي مع مطالبتهم المستمرة للمواطنين بحماية الشرطة والدولة.
ودارت الأيام لنترجى كل واحد من هؤلاء الذين يؤيدون كل شئ ليس في صالح الشعب ونقول له: رغم أن السعوديون ليسوا أصحاب الأرض، وأن هؤلاء الغلابة الذين تهجرهم الدولة قسرًا هم السكان الأصليين للبلاد؛ لكن “اعتبرهم سعوديين يا أخي”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s