خطاب السيسي الموزون (6)

كارتون الاشتراكيون الثوريون

في ذكرى 30 يونيو ألقى السيسي خطابًا موجهًا معشر “السيساوية”، واصفًا إياهم بالشعب المصري، هذا الشعب الخاص الصغير المنغلق على نفسه، والذي يشعر بإنجازات ومشاريع عملاقة، ويحب السيسي جدًا أكثر من مصر ذاتها، وجه خطابه لهذا الشعب الذي يمقت الحرية، ويؤيد الخطوات القاسية، ويتهم من قال أن تيران وصنافير “مصرية” بالخيانة، ويحب بناء السجون واعتقال الشباب، ولا مانع لديه أن يرى الدماء تنتشر في كل بلدة وشارع وبيت، بل إنه لا يتحمل العيش من دون رؤية الدماء.
لم يكن خطاب السيسي لرجل يتعارك مع سائق الميكروباص بعد زيادة أجرته، ولا لطفل اعتاد الجلوس أمام السجون لرؤية أبيه الذي رفض بيع الأرض، ولا لسيدة تهمس في أذن أحد الركاب قائلة “ممكن تدفع لي الأجرة؟” ولا لتاجر صغير كتب على سلعته “نأسف لزيادة الأسعار” ولا لصحفي فقد عمله بسبب حجب المواقع الإلكترونية، ولا لحقوقي مُنع من مغادرة البلاد لأنه يدافع عن الحقوق.
الخطاب كان لشعب خالي من شباب الألتراس، والإسلاميين، والليبراليين، واليساريين، والحركات الشبابية والأحزاب السياسية، والثوريين بشكل عام؛ إنه خطاب للقوم والعشيرة. فقط.
قال السيسي: “في مثل هذه الأيام، أثبت شعبنا العريق، أنه أكثر وعيًا مما تصور أعداؤه، وأقوى إرادةً مما اعتقد مَن حاولوا سلب إرادته، وأشد عزمًا ممن أرادوا به الشر”.
لذا كان على السيسي ورجاله أن يحذروا من هذا الوعي، ومن ذاك العزم، وتلك الإرادة، فعندما يريد أن يعطي القوات المسلحة أراض مصرية؛ عليه أن يخبره بأنه لا يفعل هذا إلا من أجل الشعب، وأن يلقي التحية على مصر 3 مرات.
فمثلًا: عندما قرر تخصيص أراضي العاصمة الإدارية وتجمع زايد العمراني للجيش، بعد قراره رقم 57 لسنة 2016، لم تكتب الجرائد التابعة للنظام هذا الخبر فقط؛ ولكنها قالت “تم اتخاذ هذا القرار بعد أن قرر رجل الأعمال الإماراتي، محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية الإماراتية الانسحاب من خططه لإقامة عاصمة إدارية جديدة في مصر” وبالتالي تدخل الجيش لينقذ الموقف ويملك العاصمة الإدارية التي لن يستفيد الشعب منها ربع جنيه؛ هكذا يكون الحذر.
* عندما يقول أنه خصص مساحة 2815.14 فدانًا بكفر الشيخ، لصالح القوات المسلحة بقراره رقم 270 لسنة 2016. عليه أن يرفق السبب وهو “إنشاء مشروعات الاستزراع السمكي من أجل الشعب”.
* قرارًا جمهوريًا رقم 313 لسنة 2016 بالموافقة على تخصيص مساحة 6174.17 فدانًا من الأراضي المملوكة للدولة لصالح القوات المسلحة، لاستغلالها في الاستزراع السمكي من أجل الشعب.
* قرار رقم 332 لسنة 2016 بإعادة تخصيص مساحة 107.55 فدانًا من الأراضى المملوكة للدولة بجهة مثلث الديبة غرب بورسعيد لصالح القوات المسلحة لاستخدامها فى مشروعات للاستزراع السمكى؛ وإياك أن تنسى (من أجل الشعب).
أما أن يملك الشعب شيئًا فهذه مسألة أخرى!
قال السيسي: “في مثل هذه الأيام المجيدة، انتفض المصريون بأعدادٍ غير مسبوقة، ليسطروا ملحمةً وطنية فريدة، عمادها الحفاظ على الوطن، أرضِه وهويته، استقلاله وحريته”.
نعم هناك من انتفض من أجل استقلال الوطن، ومن أجل ألا تسيطر جماعة واحدة عليه، لكن الذي حدث أن أرض الوطن التي انتفض من أجلها المصريون قد تقلصت مساحتها بعد بيع تيران وصنافير المصريتان بحكم التاريخ والجغرافيا والأحكام القضائية، للملكة العربية السعودية، لتستفيد منها دولة الاحتلال الإسرائيلي.
ولعل التسريبات التي بثتها قناة إعلامية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين في فبراير 2017، واحتوت على مكالمة بين وزير الخارجية المصري سامح شكري والمحامي الشخصي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويكشف محتوى التسريب تنسيقا بين الطرفين بشأن جزيرتي تيران وصنافير، ووفق التسريب، يقول شكري “إن مصر وافقت على مقترح المحامي الإسرائيلي بأن القاهرة لن توافق على أي تعديل على الاتفاقية دون الموافقة المسبقة لحكومة إسرائيل” -لعلها- لا تدل إلا على أن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي المستفيدة تمامًا كما تعد دليلًا قاطعًا على أننا لسنا دولة مستقلة.
السيسي: “لقد كانت ثورة الثلاثين من يونيو نموذجًا فريدًا في تاريخ الثورات الشعبية، لن يُمحَى من ذاكرة من عايشوه، وسيظل ملهماً لأجيالٍ مقبلة من أبنائنا وبناتنا، وسيتوقف المؤرخون والباحثون كثيراً، أمام ثورة 30 يونيو، بالدراسة والتحليل”.
أتفق مع الرئيس المصري في كل ما قاله، الـ30 من يونيو انتفاضة فريدة، انتفاضة شعب قام بثورة وثورة مضادة، ثورة من أجل الحرية وأخرى من أجل أن يتولى أعداء الحرية مقاليد الحكم.
لن يُمحى تاريخ 30 يونيو من ذاكرة من عايشوه، فمن كان يتوقع أن قادة هذا الحراك سيجنون أو يهجرون قسريًا أو يمنعوا من مغادرة البلاد؟!
على المؤرخين ألا يتوقفوا عن دراسة وتحليل ما حدث في 30 يونيو، وعلى الأطباء أيضًا أن ينضموا لهذا الدراسات، وأعتقد أنهم لو فعلوا لاستحدثوا مصطلحًا يُدعى “متلازمة 30 يونيو” وستطلق هذه المتلازمة على كل شعب يثور ثم يثور ضد ثورته. ويتخذنا العالم عبرة ويضرب بنا الأمثال.
على المؤرخين أيضًا أن يؤرخوا ما يحدث على الأوراق أو على الجدران، لأنه في ظل نظام مثل هذا، قد لا يتبقى للأجيال القادمة سوى ما كتبه أحد البهاليل عن الديمقراطية والحكم الرشيد ومحاربة الإرهاب ومحاربة الفساد واستقلال القضاء، لو لم يؤرخ المؤرخون ما حدث بعد 30 يونيو لعاشت الأجيال القادمة في أكذوبة كبيرة قد تجعل من محمود بدر “جيفارا ثورة 30 يونيو”.
السيسي: “أكد الشعب المصري مجددًا، بأنّ الدين لله والوطن للجميع”.
قد يكون هذا ما أكده الشعب المصري، مع شكوك تراودني في صحة هذا؛ لكن يبدو أن السلطة الحاكمة أكدت عكس ذلك تمامًا. الوطن ليس للجميع، الوطن لهؤلاء الذين يفصّلون القوانين، ويطبخون الدساتير، ويحكمون بغير العدل، ويقتلون المعارضين خارج إطار القانون، الوطن الذي تحكمه هذه السلطة ليس لمشجعي كرة القدم، ولا لمشجعي أي شئ غير الرئيس.
خلال يومين: القبض على 700 مشجع للأهلي والزمالك من محيط استاد برج العرب. هذا ما رصدته مؤسسة حرية الفكر والتعبير في 10 يوليو الجاري.
60 ألف سجين سياسي.. هذا ما رصده تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان؛ والذي يحمل عنوان “هناك متسع للجميع” عن سجون مصر قبل وبعد ثورة يناير، كما يرصد التقرير 19 سجنًا شُيّدوا بعد ثورة يناير.
المنظمة ذاتها نشرت تقريرًا بعنوان “التغريبة الثالثة” يحتوي على 22 شهادة من مهجرين لم يهجروا طوعًا واختيارا، ولكنه “الرحيل بحثا عن أفق سياسي أرحب لا يسيطر فيه الخوف والتفتيش في الضمائر، بعيدًا عن القمع و التخوين والملاحقة والتشهير” بحسب وصف الشبكة.
وإذا كان الوطن للجميع، فالجميع لمن يحكمون الوطن.
السيسي: “اليوم، بعد أربع سنوات، بات صوت مصر مسموعًا”.
صحيح، بات صوت مصر مسموعًا، الوكالات الأجنبية تتحدث عن انهيار اقتصادي، وعن قمع غير مسبوق وعن عودة قانون الطوارئ من جديد، وعن حجب أكثر من 122 موقعًا إليكترونيًا، منهم موقع رياضي وآخر يهتم بشؤون السيدات فقط.
صوتنا مصر بات مسموعًا لمن يريدون الكتابة الساخرة، أو يحبون رسوم الكاريكاتير، أو يجدون في الأمور المعقدة في بلد رجعي مادة جيدة للحديث والتحليل والتوقعات.
صوتنا مسموع جدًا، الأسوشيتد برس تحدثت عن (سعودة) تيران وصنافير؛ الايكومونست كتبت عن “خراب مصر” والجارديان قالت “السيسي أصبح طرفًا في قضية مقتل ريجيني” وهيومان رايتس ووتش أصدرت بيانًا تطالب فيه السلطات المصرية بعدم ترحيل عشرات الصينيين من أقلية الإيغور المسلمة إلى الصين، حيث يواجهون خطر الاحتجاز التعسفي والتعذيب في بلادهم.
وتقريرًا عن حياة القبور في سجن العقرب؛ وآخر عن المنع التعسفي من السفر. وبيان مشترك مع العفو الدولية عن إعدامات غير قانونية في سيناء.
السيسي: “انطلقت المشروعات الكبرى في أرجاء مصر كافة، بهدف تغيير واقع مصر ومعالجة ما طال أمده من مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية”.
ربما يقصد بالمشروعات الكبرى مشروع التفريعة الذي لم يرينا من إنجازاته إلا ما يريه الرجل لزوجته ليلة الدخلة.
وعن الحلول الاقتصادية الصعبة التي اتخذها دون مراعاة للفقراء، فقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقرير صدر في يوليو الجاري، ارتفاع معدل التضخم خلال النصف الأول من العام الحالي بنحو 31%، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2016. كما قال الجهاز أنه “ارتفعت معدل أسعار الأغذية والمشروبات على أساس سنوي بنحو 41%، مقارنة بشهر يونيو من العام الماضي”.
ورفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود والغاز الطبيعي بنسب تصل إلى 42%. كما أعلنت زيادة أسعار شرائح استهلاك الكهرباء المنزلية، في خطوة تستهدف إلغاء الدعم عن المحروقات والطاقة بحلول عام 2022، وفقا لخطط جرى الاتفاق عليها مع مؤسسات التمويل الدولية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري.
لا يمكن أن يتغير واقع مصر إلى الأسوأ في ظل موجة ارتفاع كبير في معدلات التضخم، الأمر الذي أثر سلبا على مستوى معيشة المواطنين.
والحكومة التي تزعم أنها تتخذ إجراءات صعبة من أجل خفض عجز الموازنة، عليها أن تعترف الاعتراف بأنها تتخذ إجراءات صعبة من أجل ارتفاع عجز المواطن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s