رسالة من سجين إلى مغترب

AFP HOWELAYAT HOMS



مصر العربية

رفيقي المغترب،
علمت أنك سافرت إلى تركيا بعد خروجك من هنا، كنت أظن أنك سافرت لتُكمل تعليمك، لكني علمت أن والدك وأمك كان لديهما ريبة في أنك سيحكم عليك بالسجن وستعود إلى هنا مرة أخرى، فأصرّا على أن تسافر هربًا من جريمة لم ترتكبها.
لقد خشيا عليك من سجن أبي زعبل،  فحبسوك  في الغربة، وفي بلاد لا تعلم لغتها ولا أهلها، إنهما  يبحثان لك عن حياة، ولا يهم إن كانت كريمة، المهم تكون “حياة” فقط.

 

للأسف يا صديقي إن بلادنا ضاقت بنا حتى صارت كحجم الزنزانة القميئة التي قضيت بها أكثر من عام،

 

من المؤسف يا صديقي أن نبحث عن الحياة لمجرد أن نبقى.
أذكر جيدًا، وأتخيلك عندما كنت تحكي لي كيف اعتقلوك وأنت في طريقك لأول أيام الإمتحانات، فقلت لهم بكل فخر وشموخ، أنك طالب في جامعة الأزهر، ولم تعلم وقتها أنها الجريمة الكبرى، في حقيقة الأمر وقتها كنت أضحك على سذاجتك، كان عليك أن تبلغهم أنك ابن اللواء عصام الدين، أي عصام الدين كي يتركوك.
أنت الآن هاربًا، وأعلم أنك لم تتوقع أن تهرب يومًا سوى من محاضرة في الجامعة، وأعلم أنك ربما تنظر إلى “حسين سالم” رجل الأعمال الذي هرب  بعد سرقة مليارات من الشعب، وربما تقارن بين حالتك وبينه، ولكن عليك أن تعلم أنك بالنسبة لي أهم من حسين سالم، صدقني يا رفيق، لو قابلتكما معًا في مكان واحد لاحتضنتك، وبصقت على وجهه، أنت لم تسرق ولم تنهب.
لن أنسي أنهم اعتقلوك يوم عيد ميلادك، ولكن حمدت الله وأعلنت سعادتك بكل بساطة لأنهم اعتقلوك في هذا اليوم لأنك حينها أتممت ثمانية عشر عامًا، لو لم تكن أتممتها لأرسلوك إلى “الأحداث” مع من ذهبوا هناك من الأطفال.
لقد أصابني الحزن عندما أرسلت لي عن ما حدث معك بعد سفرك، ولكني ضحكت كثيرًا عندما قلت أنك ظننت أنهم سيأخذوك بالأحضان فى تركيا لأنك مصري كريم العنصرين، ولكنك فوجئت بأن المصريون يخافون من بعضهم وينتابهم الشك في كل ما هو مصري، لذا صرت وحيدًا ولم تستطع أن تكمل دراستك، ولم تستطع العثور على عمل، أنت فقط تسكن في غرفة وحدك، ضحكت وبكيت.
هذا هو السجن بعينه يا رفيق.
ففي السجن كنت تستطيع أن ترى أهلك وأصدقائك مرة كل أسبوع، وكنت ستكمل دراستك على كل حال، ولم تكن وحيدًا وكان معك من هم مثلك من الطلاب.
للأسف يا صديقي إن بلادنا ضاقت بنا حتى صارت كحجم الزنزانة القميئة التي قضيت بها أكثر من عام،  بل إن كل الزنازين تحتضن الشباب وتتمسك بهم أكثر من كل الأوطان، إن بلادنا صارت أصغر من علبة السجائر، ونحن لسنا ضمن سجائرها، و حتى إن صرنا كذلك سنحترق ونصير دخانًا، وما تبقى منا يدهسه الآخرون بأقدامهم!
لا تحزن يا صديقي، و لا تدع الحزن يقتلك، ولا تدعه ينتقل إلى كل شئ حولك، اسمع أغاني الشيخ إمام التي كنت تحب أن تسمعها مني، أعط نفسك فرصة لأن تتعرف على الشيخ إمام وستشعر ببهجة تلقائية، اشتري كلب صغير فأنت تحب الحيوانات، ولا تشتري عصافير وتضعها في قفص، لا تشارك في جريمة ارتكبها الآخرون ضدنا، لا تحبس روحًا.
اعلم يا صديقي أنك المسجون فى غربتك ولكنك الصديق الحق؛  بينما بعض الأصدقاء ممن يحسبون على ثورة شاركنا فيها معًا وصدعونا بالمبادئ، تناسوا رفاقهم خلف الجدران، لانشغالهم بما يسمى انتخابات مجلس الشعب.
المبادئ لا تتجزأ يا صديقي، لكنها الآن تتمزق.
لا تترك الحزن يسيطر على عقلك وقلبك،  فصفحتك لم تتسخ كأمثال من قالوا إن الظلم سيرحل بوصول السيسى للرئاسة، فوجدنا أن السيسى يعترف بوجود مظلومين و أنصاره لا يعترفون!
أنت لست متلونًا كمن هتفوا ضد الحكم العسكري ثم هتفوا له ودعموا مرشح العسكر!
لست وحدك من كل الشباب عانيت السجن والغربة،  فالحكم العسكري قد قسم الشباب إلى “شهداء، ومصابين، وسجناء، ومهاجرين، ومنتحرين، ومكتئبين في طريقهم إلى الإنتحار، وأحياء كما الموتى”.
كنا في مجدنا يا صديقي نبحث عن المظلومين وننصرهم، والآن صرنا نبحث عنهم فقط، كنا نهتف “بكره يا كلب الثورة تقوم، ولم نعلم أنها سترقد على الأرض ويغتصبها عسكري أمام أعيننا.
بالفعل يا رفيق، الثورة مستمرة ولكن الثورة المضادة، فلا تشغل بالك كثيرًا، ولا تعطي لنفسك أمل بأن الثورة ستعود قريبًا، سيطول الأمر كثيرًا، نحن نحارب دبابات وطائرات ومدرعات وأسلحة أخرى بصدور عارية، سيطول الأمر كثيرًا، حاول أن تتأقلم هناك وأن تعيش حياة عادية، وستنجح في ذلك.

 

 مسجون أنا بين أربعة جدران، وأنت في غربتك، والباقون  في خوفهم، وكلانا أقل تعاسة من هؤلاء الذين سجنوا أنفسهم بأيديهم في خوفهم، وصار شعارهم “اعمل نفسك ميت”.

 

 مسجون أنا بين أربعة جدران، وأنت في غربتك، والباقون  في خوفهم، وكلانا أقل تعاسة من هؤلاء الذين سجنوا أنفسهم بأيديهم في خوفهم، وصار شعارهم “اعمل نفسك ميت”.
لا أدري بماذا أنصحك؟! فأنت دائما تطلب مني النصيحة.
هل أنصحك بالعودة، فتجد مستقبلك محاصرًا بالرصاص الحي، وحياتك مهددة بالموت عند إتمام العشرين عاما من عمرك؟! أم أنصحك أن تبقى هناك وتنتظر، فتظل هكذا تعيش فقط من دون دراسة أو عمل؛ لا أدرى حقًا، الأمر لك .
ولكني فقط سأكتفي بالدعاء لك؛ ولكل مظلوم؛ ولبلادي ولثورتنا.
من رفيقك الذي لم ينساك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s