تجارة البشر.. ومناضل يُدعى "ولد عبيدي"

ولد عبيدي وسط أنصاره

عندما ترى أو تسمع كلمة “الاستعباد” ربما يتسلل إلى خاطرك أنني سأتحدث عن الذين قرروا بأنفسهم أن يصيروا عبيدًا لأحد الرؤساء الذين لا يصلحون رؤساء لوحدة محلية، فيوافقونه في قراراته الخزعبلية، ويطبّلون على كلمة غير مفهومة يتفوه بها، أو ربما تظن أنني أقصد أولئك الذين لا يستخدمون عقولهم وصاروا عبيدًا لجماعة بعينها  فأحبوها أكثر من وطنهم ويسبون كل معارضيها، ويؤيدون كل قراراتها حتى لو كانت خاطئة، ويمدحون الفعل إن كانت جماعتهم هي الفاعلة، ويذمّونه إن كان الفاعل من غير جماعتهم.

الحكومة في موريتانيا تُشبه غيرها من الحكومات العربية المستبدة الرجعية، التي جعلت من شعوبها شعوبًا بائسة.
لكني أقصد في مقالي أولئك الذين لم يختاروا لأنفسهم أن يصيروا عبيدًا وأجبروا على الاستعباد في موريتانيا، وعن زعيم يستميت من أجل الدفاع عنهم، ربما لم تقرأ عنه من قبل، ولكن حان الوقت لتقرأ.
***
موريتانيا أو الجمهورية الإسلامية الموريتانية، هي دولة إفريقية عربية، تقع بجوار المغرب والجزائر. وهناك ما زالت عائلات كبيرة تستعبد بشرًا من أصحاب البشرة السمراء، فنصبوا أنفسهم أسيادًا عليهم وجعلوهم عبيدًا كالعبيد الذين قرأنا عنهم في كتب العصر الجاهلي.
والحكومة في موريتانيا تُشبه غيرها من الحكومات العربية المستبدة الرجعية، التي جعلت من شعوبها شعوبًا بائسة، فهي دائمًا تُناشد منتقدي العبودية في الخارج بعدم التدخل في الشئون الداخلية، وتطلب من العالم أن يصم آذانه عمّا يحدث في موريتانيا، على طريقة (عبيدنا ونحن أحرار فيهم)، أما من يتحدث عن الاستعباد والرق في الداخل ويناضل من أجل القضاء عليهما، فتُلقي به السلطات بين جدران السجون، وتطلق عليه ألسنة الإعلام الكاذبة وتجعل منه “برادعي” موريتاني.
ففي موريتانيا لا تتحدث عن العبودية، وفي مصر لا تتحدث عن الثورة والحرية، وفي الجزائر لا تذكر إسم بوتفليقة قبل أن تلحقها ب “فخامة الرئيس”، وفي السودان لا تعمل بمجال الصحافة، وفي السعودية والإمارات والكويت لا تتظاهر، وفي قطر لا تنتقد الحاكم، وفي الأردن لا تتحدث في السياسة، وفي البحرين لا تعمل في حقوق الإنسان، وفي فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن لا حول ولا قوة إلا بالله. بلادنا رائعة لكن لا تفعل ما ذكرته وإلا سُجنت.
***
قامت في موريتانيا انتفاضات شعبية ضد قوانين الرق والاستعباد، منها انتفاضة عام 1981، تحت الحكم العسكري، حيث اشتعلت انتفاضة سلمية قام بها “العبيد، والعبيد السابقين” بتحريض من مثقفين سُمر. فصدر حينها قانون بتجريم العبودية، وصدر آخر في 2007.
لكن ككل القوانين التي تصدر في الدول القمعية، لم يكن القانون السابق والحالي إلا حبرًا على ورق، فبقايا الاستعباد والرق في موريتانيا ما زالت مستمرة، وما زال هناك من يناضل من أجل القضاء عليها، ولم يعاقب حتى اﻵن أحد من كانوا يمارسون العبودية، والقوانين في موريتانيا تطبق على طبقة العبيد فقط، ولا تحاسب الأسياد ممن سيطروا على كل أجهزة الدولة والمناصب السيادية.
***
يوجد في موريتانيا عنصرين: “العرب، والزنوج”، ويتكون العرب من “البيض، والسمر” ويعنينا هنا “العرب السُّمر” الذين يُعرفون بـ “الحراطين” أي “المزارعين”،  وهؤلاء هم السكان الأصليين لموريتانيا وتم استعبادهم عبر تاريخ طويل، حسب روايات تاريخية.
والحراطين قسمين: أحدهما استعبد منذ القدم، والآخر لم يستعبد. لكن تعرض كلاهما  للتهميش والإفقار والإذلال والعزل والتمييز؛ حتى أن مئات منهم قد ماتوا جوعًا بكل ما تعنيه الكلمة.
***
العبيد لا يحق لهم امتلاك الأراضي، والبيض يفرضون عليهم إتاوات بدعوى أن الدين قد أمر بهذا، وأن العبودية موجودة في الشرع. فالرق في موريتانيا له أسباب عديدة، أهمها وأخطرها “التجارة بالدين” حيث ستجد بعض العبيد أنفسهم يؤمنون بأن عليهم أن يظلوا عبيد، لأن بعض رجال الدين قد أقنعوهم بأن الأحاديث والآيات القرآنية تفيد بأن الاستعباد أصل من أصول الدين، فرغم أن القوانين الموريتانية جرمت الرق والاستعباد، إلا أن هناك من يروج لها في منابر المساجد، وفي جانب مشرق و يستحق التوثيق هناك من يقاوم ويناضل من أجل القضاء على الاستعباد والرق، ولا يبال لتشويهه واتهامه بالعمالة لقوى خارجية وتكفيره.
***
 بيرام ولد عبيدي
بيرام الداه ولد عبيدي، مدافع عن حقوق الإنسان في موريتانيا، ينتمي إلى طبقة “الحراطين”  ونشأ في أسرة فقيرة عانت من الرق والاستعباد والفقر والتهميش، حصل  على الثانوية العامة في شعبة الآداب المزدوجة (اللغة الفرنسية) عام 1985، وسجل في كلية العلوم القانونية والاقتصادية بجامعة نواكشوط، لكن دراسته فيها لم تنتظم لانشغاله بالعمل، ثم طُرد من الكلية عام 1992 لنشاطه البارز في الإضرابات والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، وحصل على شهادة المتريز في التاريخ الحديث.
وفي عام 2000 سجل في جامعة الشيخ أنتا جوب بداكار، وحصل على شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ، ثم سجل للدراسات العليا في الكلية نفسها، لكن انشغاله بالنشاط الحقوقي ومقاومة الرق عطل حصوله على الدكتوراه.
حصل ولد أعبيدي على جائزة حقوقية من حكومة مدينة فايمار الألمانية في عام 2011، بسبب نشاطه المناهض للرق والاستعباد في موريتانيا.
وقد تبنى بيرام قضية “العبودية” في 2007، وكان في السابق ناشطًا في حركة “الحر” المدافعة عن شريحة “الرقيق”، وتمرّد بيرام على كل الأحزاب والحركات السياسية الموريتانية، واتهمها بأنها ترسخ الفوارق الطبقية، وتتجاهل المظالم التي يعاني منها “الحراطين”، كما أن له موقفًا بطوليًا من رجال الدين، ورجال الأعمال، وقادة الجيش، فلا يخشاهم كل هذه القوى ويصرخ في وجوهم مطالبًا بإنهاء الرق والاستعباد.
في عام 2008 أنشأ بيرام ولد عبيدي “الحركة الانعتاقية” المعروفة اختصارا بحركة “إيرا”، المُناهضة لنظام الرق والعبودية، واشتهر بين أبناء موريتانيا بأنه عالم بأحكام الفقه الإسلامي مما جعله يناضل ضد الرق، ويبطل  ادعاءات أنصار الرق بأن الدين الإسلامي لم يحرم الرق.
آمن ولد عبيدي بالنضال السلمي كوسيلة للقضاء على العبودية، وكشفت حركته “إيرا” أشكالًا متعددة من العبودية تمارس من العرب البيض ضدّ السٌّود، واستقلبه النظام الموريتاني بالتشويه المتعمد كما تفعل كل الأنظمة العربية مع المعارضين، وأصدر النظام شائعات بأن “بيرام” يعمل لمصلحة جهات أجنبية تريد تدمير البلاد، وبالمناسبة صدق كثير. فلدينا هنا ظاهرة ليست غريبة على مجتمعاتنا، شخص يناضل من أجل القضاء على العبودية فيُتّهم بالعمالة من نظام كاذب، ويصدق ذلك من يُناضل من أجلهم.
***
في يناير2011، صدر بحق ولد عبيدي وخمسة من أعضاء حركة “إيرا” أحكامًا بالسجن، بدعوى إهانتهم ضابط شرطة خلال مظاهرة نُظمَت ضد حالة الاسترقاق المنتشرة.
خرج من السجن ليكمل ما بدأه من نضال سلمي، وفي أبريل 2012،  قام بإحراق الكتب التي تدّعي أن الرق لا يحرمه الإسلام ووصفها بالكتب الزائفة، لكن احراقه الكتب جعل النظام يشن حربًا عليه ويزيد من شراسته في التشويه، واتهامه بهدم ثوابت الدين والخروج من الملة. واعتقل بيرام  وعدد من رموز حركته، بتهمة المساس بالمقدسات التي تبيح الاسترقاق، حسب رؤية الحركة.
وفي نوفمبر من عام 2014 تم اعتقاله وثلاثة من قادة الحركة، حيث كان على رأس قافلة حقوقية مناهضة للعبودية، بعد مواجهات عنيفة بين الأمن وأنصار حركة “إيرا” قرب قرية الشكارة عند مدخل روصو. ما أدى إلى إصابة عدة أشخاص من المتظاهرين ومن قوات الأمن. ووجهت له السلطات القضائية الموريتانية هو ورفاقه اتهامات بتزعم منظمة غير مرخصة وبزعزعة الاستقرار في البلاد، رغم أنه تقدم لترخيص منظمته في 2010 لكن الحكومة تجاهلت الطلب. حُكم عليه بالسجن عامين، وتم تأييد الحكم.
***
لم تتوقف حركة “إيرا” عن التظاهر من أجل زعيمها “بيرام” ونظمت فعاليات عديدة تطالب بالإفراج عنه؛ حتى أن المظاهرات كانت تصل إلى مقر حبسه في سجن نواكشوط المركزي، وبالطبع قابل الأمن الموريتاني كل المظاهرات المطالبة بالإفراج عنه بعنف شديد.
وفي مايو 2016، خرج بيرام من السجن مرفوعًا على الأعناق بعد أن قضت المحكمة بإلغاء قرار حبسه وقالت أن الحكم عليه جاء بناء على وقائع غير قانونية.
***
هل غير السجن فكرة النضال ضد الاستعباد؟
لم ينته نضال بيرام بعد، ولم يتوقف، ولكن سجنه مرات عديدة جعل شعبيته تزداد، حتى لو كان هناك من تأثروا بآراء شيوخهم في مسألة العبيد، إلا أن كثر من أبناء شعبه بينظرون له على أنه زعيم ومناضل يقاوم الظلم والاستعباد.
ورغم صعوبة النضال في موريتانيا، ورغم أن الحكومة تستغل أن وسائل الإعلام العالمي لا تسلط الضوء على ما يحدث في موريتانيا، فتزداد قمعًا على قمعها، خرج بيرام من السجن وكان أول ما قاله أنه سيواصل نضاله السلمي ويسعى ورفاقه لتخليص المظلومين من كافة شرائح المجتمع، ولن يتوقف إلا بعد أن يتوقف الاسترقاق ومحاكمة من استعبدوا الناس.
كانت لديه فرصة حوار مع السلطة والحصول على مكاسب شخصية بعد أن تلقى عروضًا من النظام الموريتاني للتفاهم، ولكنه رفض وقال أنه لن يكون طرفًا في أي حوار سياسي دعا له الرئيس وأنه لن يتوقف عن أي جهد سلمي لتخليص الشعب الموريتاني، من “السجن الكبير”، الذي وضعهم فيه الرئيس ولد عبد العزيز.
ومن ضمن ما قاله أن يؤمن تمامًا أن نضاله السلمي هو ورفاقه سيضع حدا لحالة “الجبروت والفرعنة” من قبل النظام الموريتاني على أبناء الشعب.

بيرام عبيدي يناضل من أجل فكرة لا من أجل بدلة ميري أو كرسي في برلمان، الأنظمة القمعية لا تدرك أن السجن يساعد في انتشار الأفكار التي يخشونها.
***
بيرام عبيدي سُجن وتم تشويه واتهم بالخيانة والعمالة، وحاربته سلطة بأكلمها، فهل انتهى ولد عبيدي بالسجن؟ لم ينته.
 لماذا؟
لأنه يناضل من أجل فكرة لا من أجل بدلة ميري أو كرسي في برلمان، الأنظمة القمعية لا تدرك أن السجن يساعد في انتشار الأفكار التي يخشونها.
مقالات مشابهة:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s