فليبقوا فقراء.. كي يبقى النظام

نظام فاسد . كاريكاتير “الاشتراكيون الثوريون”

“ياشباب ماااصر، متقعدش فى بيتك وتيجي تقول عايز وعايز؛ هنجيبلكم منين؛ انزلوا يا ولاد الوسخة يا خونة؛ ياللي معندكوش ضمير؛ ياللي مش مصريين؛ ياللي نايمين في البيت انزلوا يا ولاد الكلب”.
انتشر هذا الفيديو على شبكة الإنترنت في أثناء انتخابات مجلس الشعب، وكان لرجل يطوف شوارع منطقة عابدين، وينادي على الشباب صارخًا شاخرًا واصافًا إياهم بأولاد العاهرة والعملاء الخونة اللي ودوا البلد في 60 داهية.
كان الشباب ينظرون إليه، ويتجاهلونه ويتجاهلون سبابه وتوبيخه لهم، وكأنه العدم؛ ينظرون إليه غير مبتسمين، ينظرون نظرة الواثق في قراراته، أو نظرة لا مبالاة، فلم يزدهم توبيخه إلّا عنادًا وإصرارًا ورفضًا للمشاركة في الإنتخابات؛ حتى أن تجاهلهم للانتخابات، جعل مستشارة السيسي “عزة هيكل” توجّه لهم رسالة هامة تقول فيها: “العيب على أمكم”؛ وهددتهم بأنهم لن يكون لهم حق الاعتراض على الأوضاع السياسية إن لم يشاركوا فى التصويت، وتناست السيدة هيكل، أن نظامها لا يعتمد على المشاركة، وإنما يعتمد على بث الرعب فى نفوس الناس كي يضمن لنفسه البقاء أطول فترة ممكنة، كما تناست أن النظم العسكرية لا تؤمن بهذا الشئ الذي يسمى “اعتراض على أوضاع سياسية” وإنما يؤمن فقط بقتل واعتقال كل من يفكر فى الاعتراض، وتلفيق الاتهامات والقضايا الساذجة لمنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان كي لا يفضحون جرائمه.. بالإضافة إلى اعتماده الكلي على إفقار الفقراء حتى لا يفكرون سوى في فقرهم.
كان الفيديو مُبكيًا مُضحكًا، فصاحبنا بطل الفيديو تبدو على وجهه علامات الفقر، وملابسه قديمة جدًا حتى تظن أنه ولد بها؛ وكان لديه يقين أن انتخابات مجلس الشعب ستؤدي إلى الاستقرار الذي بدوره سيؤدي إلى الرخاء الإقتصادي حسب وجهة نظره التي أملاها عليه إعلام النظام العام والخاص.
“وإذا كان النظام الحاكم يباهي دائمًا بما يسميه “الاستقرار” في المجتمع المصري، لا سيما في مقابل عدم الاستقرار الذي يميز معظم الدول العربية الشقيقة، فإن الحقيقة والواقع أن ذلك إنما هو استقرار الجسد الميت والجثة الهامدة؛ وإذا كان صحيحًا أن بعض الدول العربية وغير العربية في المنطقة تعاني من عدم الاستقرار؛ فإن ما تعاني منه مصر هو فرط الاستقرار”.. جمال حمدان.
لم يعلم الرجل أن ما يحدث حينها ليس إلا فيلم هندي، وأن دعاوي انتخابات الاستقرار ليست إلا استحمارًا للشعب.
أخبرني أحد الزملاء أن صاحبنا بطل الفيديو  كان يمشي في نفس المنطقة  بعدها ويلعن الناس ويسبهم قائلًا: “السجاير للأغنية بس يا ولاد الكلب”.
ولا أعلم إن كان الرجل يلوم الشعب على ارتفاع أسعار السجائر، أم يعلن للفقراء أنهم لا يستحقون تدخين السجائر لأنهم فقراء. ففي ظل النظم الديكتاتورية لا يحق للفقراء إلا أن يظلوا فقراء، حتى يتمكن الرئيس في خطاباته من الحديث عن أكثر عدد من الفقراء ويقول: “الفقراء دول محدش يوصيني عليهم، دول حبايبي، ده أنا بعمل كل حاجة عشانهم، انتوا هتاكلوا مصر؟!”. لا يهم أن ترتفع الأسعار بعد كلمته بربع الساعة، المهم أن يشعر بأنه زعيم الغلابة والفقراء، حتى ولو على حسابهم.
الفقراء ليسوا إلا كلمة تلمّع خطاب الزعيم، ومكسبًا لجشع الرأسماليين، وهدفًا لإعلام النظام، وصوتًا انتخابيًا لمرشحي مجلس الشعب، فيعدوهم بأنهم سيقفوا بجوراهم ويتخذون قرارتٍ في صالحهم، وعندما يصلوا إلى كرسي مجلس الشعب، لا يقفوا إلا على رقابهم، ويتخذون قرارات لا تخدم إلا حكامهم، منها مثلًا:
– قيام البرلمان بإقرار قانون القيمة المضافة الذي سيرفع نسبة التضخم لأكثر من 20% ويدعم زيادة الفقر في ظل قيام الحكومة بزيادة أسعار الغاز والكهرباء والمياه ورفع الدعم عن السلع التموينية، وتلك الضريبة وضعها صندوق النقد الدولي كشرط أساسي لإقراض مصر بنحو 12 مليار جنيه على مدار ثلاث سنوات، ويحدث كل هذا في  ظل ثبات دخل المواطنين من الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وزيادة نسبة البطالة وارتفاع معدل التضخم لنحو 18%، بجانب انعكاس آثار القانون على جميع المنتجات حتى التي قالت الحكومة أنه تم إعفائها من الزيادة.
– إقرار البرلمان قانون الخدمة المدنية بعد موجة غضب ومظاهرات رافضة له، دفعت المجلس لرفضه في المرة الأولى وإعادة عرضه بعد تعديل العديد من بنوده، إلا أن الإصرار على تطبيقه سيخلق أعباءً اجتماعية كبيرة حال إقرار الدولة الإستغناء عن عدد كبير من العاملين بها والذي قد يبلغ نحو 3 ملايين موظف حكومي، بحسب تصريحات حكومية.
إن البرلمان الذي قرر صاحبنا بطل الفيديو أن يلعن الشباب من أجله، ظنًا منه أنه سيخدم طبقته فعلًا، ليس إلا برلمانًا تسيطر عليه أغلبية ساحقة تم اختيارها بعناية من الأجهزة المخابراتيه ليكون الذراع التشريعية للحكومة من دون النظر إلى اهتمامات واحتياجات الشعب.
فحتى وقتنا الحالي لم نجد قرارًا واحدًا أقره البرلمان في صالح الفقراء، فإنه قد انشغل في غالبية قراراته بتنفيذ ما تمليه عليه الأجهزة الأمنية، وفرض الجباية على الفقراء والتضييق عليهم.
***
رغم ازدياد أسعار الدواء بنسبة 20%  للأدوية التى تقل أسعارها عن 30 جنيه، ورغم رفع الدعم عن الكهرباء والماء والسلع التموينية، ورغم تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وانخفاض سعر الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وإصرار الحكومة على رفع أسعار تذاكر المترو؛ إلا أننا وجدنا تصريحًا قد أدلى به اللواء عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك، يشعرك بأن الحكومة لا يهمها انتشار الفقر، فيقول فيه: “أن زيادة الأسعار ليست إلا حالة نفسية”.
ويبلغ مدى عدم شعوره بما يجري في الشارع عندما أكد في إحدى المداخلات التليفزيونية  أن 90% من ارتفاع الأسعار سببها الشائعات فقط، وأن الأسعار لم ترتفع! فالرجل يرى أن كل شئ على ما يرام، كما ترى عضوة البرلمان التي كادت أن تردح للشعب على الهواء مشيرة إلى عدد المصيفين والمصيفات على شواطئ مصر الشعبية في العيد، وتدعي أن الإخوان يروجون للغلاء وأن كل شئ على ما يرام، وإلا فكيف ذهب كل هؤلاء إلى المصايف!
لم تتطرق السيدة غير الكريمة إلى أن الأسرة المصرية متوسطة الحال، ربما تشترك في “جمعية مالية” من أجل الذهاب إلى المصيف مرة كل 5 أعوام، فهي تعتقد أن كل من ذهب إلى شوطئ البحر ليس من الفقراء ولا يعاني من الغلاء.
الحكومة لا تشعر بالفقراء، والفقراء لا يشعرون بوجود الحكومة.
***
لماذا يحاول النظام الحالي أن يزيد الفقراء فقرًا؟
الفقر له أسباب عديدة، منها:
– عدم تكافئ الفرص، ابن عامل النظافة لا يمكنه أن يصير قاضيًا.
– والتفرقة بين الناس، فضباط الشرطة والعسكريون والقضاة لهم مساكن خاصة وأندية خاصة وفنادق خاصة، وباقي الشعب له معاملة خاصة، تتجلى تلك المعاملة في أقسام الشرطة.
– والعنصرية الجغرافية؛ ففي القاهرة مثلًا تحسنت الطاقة الكهربائية، وفي الصعيد ربما تنقطع الكهرباء نحو 4 ساعات وأكثر يوميًا، وفي سيناء تنقطع أيامًا كاملة.
– الديكتاتورية، فهناك فرق اقتصادي شاسع  بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، فالأخيرة تخلفت عن شقيقتها لأن حاكمها يحكم بالعصا والحديد، لا بالديمقراطية والحريات.
الفساد، وما يحدث في مصر من تصالح مع الفاسدين من نظام مبارك، خير دليل.
إن السلطة الديكتاتورية العسكرية عندما  تتولى الحكم لا يهمها إلا بقاءها في الحكم أطول فترة ممكنة؛ فتعطي  لنفسها حق احتكار السلع الأساسية، واحتكار المواطن نفسه. هي سلطة لا تعترف بحرية الرأي، وتحب أن يرقص لها الغلابة على نغمة تسلم الأيادي مقابل جنيهات بسيطة. إنهم يفقرون الناس ويسرقون حقوقهم، ثم يعطونهم بعضها، ويعدوها ضمن الإنجازات.
* ارتفاع سعر الدولار إلى 13 جنيه بدلًا من 7جنيهات!
– عاجل.. بعد تدخل السيسي الدولار ينهار أمام الجنيه ليصل إلى 10 جنيهات.
* ارتفاع سعر علبة لبن الأطفال إلى 60 جنيه؛ وأزمة في العثور على لبن الأطفال في الصيدليات.
– الجيش يطرح 30 مليون علبة لبن أطفال بسعر 30 جنيه. (سعرها الأصلي 17 جنيه، أي هناك مكسب 13 جنيه زيادة على كل علبة).
“يسرقون رغيفك؛ ثم يعطونك منه كِسرة؛ ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم؛ يالوقاحتهم”.. غسان كنفاني.
***
كشف الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء في 26 يوليو 2016، أن 27.8% من السكان فى مصر فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وأن 57% من سكان ريف الوجه القبلى فقراء مقابل 19.7% من ريف الوجه البحرى.
وأوضح أن نسبة الفقراء فى مصر وصلت إلى أعلى مستوياتها فى محافظتى سوهاج وأسيوط بنسبة بلغت 66%، تليهما محافظة قنا بنسبة 58%، وأن أقل نسبة للفقراء فى مصر فى محافظة بورسعيد بنسبة 6.7%، تليها محافظة الإسكندرية بنسبة 11.6%، وأن 18% من سكان القاهرة من الفقراء.
***
إن الفقراء في نظر الديكتاتوريات يجب أن يظلوا فقراء، وأن يزدادوا فقرًا على فقرهم، كي لا يتفرغون للحديث عن سياسات الحكومة، كي لا يخرجون إلا الشوارع ويهتفون، فالمال في جيب الفقير يجب أن يكفي يومه فقط، وإلا سقطت كل الأنظمة الديكتاتورية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s