لو قرأت ما كتبه جمال حمدان.. لوليت منه فرارًا !

جمال حمدان

(1)
في حوار السيسي الذي امتد نحو 7 ساعات مع رؤساء تحرير الصحف القومية، الذين تسابقوا على نفاقه ووصفه بما ليس فيه، ووصف خطابه بأنه الخطاب الأهم في التاريخ، فمنهم من قال أن الحوار شفاف، ومنهم من قال إنه سيترشح بشروطه، وكأن الشعب يُقيم الليل ويتضرع إلى الله من أجل أن يبقى السيسي رئيسًا مدى الحياة، ومنهم من وصفه بأنه مقاتل ولم يحذف حرف الميم، ومنهم من تفوّق على زملائه في النفاق والتطبيل فقال أن الرئيس السيسي يستعد لاتخاذ إجراءات غير مسبوقة للتخفيف على الفقراء ولتحسين مستوى محدودي الدخل وحمايتهم من الغلاء؛ والأخير يعتقد أن الفقراء لن ينظروا إلى أحوالهم البائسة وارتفاع الأسعار بشكل كارثي ورفع الدعم ورفعهم هم أنفسهم واحتمالية دفع ضرائب على الهواء؛ وسيصدقون هرائه.
لا يهم كل التفاصيل التي دارت، لكن المهم أن السيسي قال ضمن ما قال: “أنه يعود من حين لآخر إلى القراءة للكاتب محمد حسنين هيكل، وكذلك للمفكر المصري العظيم جمال حمدان، وخاصة كتابه شخصية مصر”.
لم أتعجب ولم يتعجب كثيرون من أنه يقرأ لمحمد حسنين هيكل، لأن هيكل الكاتب المفضل لكل الرؤساء؛ لكني أزعم أن عددًا ليس بقليل لم يصدق أنه قرأ كلمة واحدة للراحل جمال حمدان.
ويبدو أن هناك محاولة من كاتب خطابات السيسي لتغيير صورته من ديكتاتور عسكري إلى رئيس ديمقراطي مثقف يحب الحرية ويقرأ لجمال حمدان، لتتحسن صورته أمام من يؤمنون بالديمقراطية كحل وحيد لنهضة مصر؛ ففي الذكرى الأولى لافتتاح تفريعة قناة السويس حاول السيسي لفت الأنظار لأنه قارئ جيد لجمال حمدان فاستشهد ببعض كلماته عن القناة.
لكننا سنفترض أن السيسي يقرأ للراحل جمال حمدان، وسنصدق أنه قرأ كتابه “شخصية مصر”. لذا علينا أن نسأله: هل فهم ما ذكره كاتبه المفضل عن الكوراث التي يتسبب فيها الحكم العسكري وعن أنه سبب التخلف والفشل الدائم لمصر؟
ففي الجزء الرابع من كتابه شخصية مصر يقول جمال حمدان:
“بقدر ما كانت مصر تقليديًا ومن البداية إلى النهاية شعبًا غير محارب في الخارج، كانت مجتمعًا مدنيًا يحكمه العسكريون كأمر عادي في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم، وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيرًا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري، أي أنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة، استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب”.
وفي وقتنا الحالي بالفعل “الحل العسكري” الذي ذكره حمدان، هو الحل مع أبناء الشعب، ففي سيناء نجد شهادات موثقة عن حالات القتل العشوائية نتيجة الحل العسكري هناك؛ منها ما ذكرته وكالة سيناء 24 في 7 يوليو الماضي عن مقتل الطفلين “فاطمة أحمد شتيوي” 8 سنوات وشقيقها “رضا” وإصابة شقيقتهما “مريم” 6 سنوات بعد إطلاق قذيفة مدفعية من قوات الجيش على منزلهم جنوب رفح.
ولعل قصة محمد عبد الكريم حسن؛ الطالب بالصف الخامس الابتدائي في مايو الماضي دليلًا آخر على مدى عشوائية التعامل العسكري في سيناء، فلما كان امتحان التعبير عن فضل الأم كتب الطالب سطرًا واحدًا: “أمي ماتت ومات معها كل شيء”؛ وبعدها علمنا أن أمه قد ماتت في قصف عشوائي. بالإضافة إلى تصفيات غير مبررة لبعض المطلوبين أمنيًا؛ ففي 1 يونيو 2015 قامت قوات الأمن بتصفية 9 من الإخوان داخل شقة بأكتوبر، رغم أن كثيرًا من الأدلة والشهادات تشير إلى أنهم لم يقاوموا ولم يكونوا مسلحين، وأنه كان بإمكان الأمن القبض عليهم من دون نقطة دم واحدة.
وفي 25 ديسمبر قامت قوات الأمن بتصفية 9 آخرين في أوسيم بدعوى أنهم كانوا يخططون لأعمال إرهابية تستهدف محافظة الجيزة.
وفي 7 يونيو الماضي قامت قوات الأمن بتصفية 3 مواطنين بدعوى أنهم متورطون في قتل ضابط.
فالعمليات العسكرية والتصفيات باتت بديلًا للمحاكمات العادلة في مواقف كثيرة لا حصر لها.. يحدث هذا كله في الوقت الذي يتقرب فيه نظام السيسي من “الكيان الصهيوني” ويتعامل معه على أنه صديق مقرّب، ففي يوليو الماضي توجه سامح شكري وزير الخارجية بزيارة إسرائيل بدعوى السلام في اعتراف صريح بما يسمى إسرائيل.
(2)
وعن تهجير أهالي سيناء من أراضيهم وهدم بيوتهم على حدود سيناء يؤكد جمال حمدان على أن:
“هناك إجماع تام على ضرورة نقل الكثافة السكانية المكتظة في الوادي إلى أطراف الدولة وحدودها، بما فيها وعلى رأسها سيناء؛ إن التعمير هو التمصير”.
لكن النظام الحالي يعتقد أن “التدمير هو التعمير”!
فما يحدث من تهجير لأهالي سيناء هو تمًاما ما يتمناه “الكيان الصهيوني”؛ فقد بدأت الأجهزة الأمنية في محافظة شمال سيناء بإخلاء منطقة الشريط الحدودي لمدينة رفح المصرية في أكتوبر 2014، ودمر الجيش المصري المنازل وهجّر اﻵلاف من منازلهم. مع أن السيسي نفسه حينما كان وزيرًا قال في تسريب له أن تهجير أهالي سيناء خطر كبير ولا يمكن أن يكون الحل بمواجهة أمنية فقط.
(3)
وعن القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني ومصر؛ يقول جمال حمدان في مواضع مختلفة:
“ومصر بالذات محكوم عليها بالعروبة، ولكن أيضًا بتحرير فلسطين، وإلا فبالاعدام”.
“وهي إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر إلى النهر وهادت وهادنت، خانت وحكمت عليها بالضياع”.
“وليس أمام مصر من فرصة ذهبية لاستعادة كامل وزنها وزعامتها إلا بتحقيق نصر تاريخي مرة واحدة والى الأبد بتحريرها فلسطين كاملة”.
“ولن تصبح مصر قط دولة حرة، قوية، عزيزة، متقدمة، يسكنها شعب أبيّ كريم متطور إلا بعد أن تصفي وجود العدو الإسرائيلي من كل فلسطين”.
هذا ما قاله جمال حمدان.. لكن موقف السيسي من السلام الدافئ مع إسرائيل ومطالبة الإعلام الإسرائيلي بإذاعة خطاباته عن السلام؛ ومعاداته لفصيل من فصائل المقاومة الفلسطينية “حماس” لا يدل على أنه فهم أو قرأ ما كتبه “حمدان”؛ فلأن التودد لإسرائيل وصل مداه في عهد السيسي سنجد أن الدبلوماسية الإسرائيلية “فسرمان لاندا” امتدحت السيسي في مقال لها بصحيفة “يديعوت أحرونوت” حمل عنوان “يا سيسي شعب إسرائيل معك. رسالة مفتوحة للرئيس”، وكشفت عن إعجابها الكبير بأدائه، وموقفه المعادي لحركة حماس، وتقارب نظامه مع إسرائيل ولقبته بـ “سيدي الرئيس”.
فمصر السيسي صديقة إسرائيل، ومصر جمال حمدان تريد أن تحرر فلسطين كاملة من دون التخلي عن شبر واحد من أراضيها. ونحن لا نرى في مصر العسكرية الحالية إلا ركوعًا لأننا أدرنا ظهورنا للقضية الفلسطينية واحتضنا الكيان الصهيوني بصدر رحب.
“من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول”.
“من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء”.
“من يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير”.
“من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي”.
هكذا قال جمال حمدان.
(4)
في مصر السيسي تُغلَق الجرائد ويُسجن الصحفيين والمعارضين وتُلقق القضايا لمنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان وتُبنى السجون بدلًا من المستشفيات والمدارس والجامعات بدعوى محاربة الإرهاب مع أن النظام نفسه يبث الإرهاب في نفوس الناس حتى يحكمهم، ولم ينس جمال حمدان أن يتحدث عن هذا فقال:
“النظام الحاكم في مصر يرفع شعار محاربة العنف ويصفه زورًا وبهتانًا بالإرهاب البشع والفوضى والتمرد…. إلخ؛ وعلى سبيل المثال فكل انتفاضة شعبية هي “انتفاضة حرامية”.
ويضيف:
“أغرب ما في الأمر حقًا أن الذي يمارس العنف فعلًا بأبشع صوره من دموية وتعذيب وإرهاب إنما هو الحاكم نفسه والحاكم وحده، وذلك على الشعب تحديدًا”.
(5)
كما أن “الاستقرار” هي الكلمة التي يمزجها إعلام النظام في محاولة تشويه كل وسائل الاعتراض السلمي حتى المعارضة الإلكترونية، فنجده دائمًا يخوفنا من مصير سوريا وليبيا إن نحن قلنا كلمة حق عند سلطان جائر، وإن نصرنا المظلومين وإن انتقدنا الفاسدين؛وفي هذا قال جمال جمدان:
“وإذا كان النظام الحاكم يباهي دائمًا بما يسميه “الاستقرار” في المجتمع المصري، لا سيما في مقابل عدم الاستقرار الذي يميز معظم الدول العربية الشقيقة، فإن الحقيقة والواقع أن ذلك إنما هو استقرار الجسد الميت والجثة الهامدة؛ وإذا كان صحيحًا أن بعض الدول العربية وغير العربية في المنطقة تعاني من عدم الاستقرار. فإن ما تعاني منه مصر حقيقة إنما هو فرط الاستقرار”.
(6)
لو قرأ السيسي “شخصية مصر” لجمال حمدان، فكيف استقبل تلك السطور؟:
“واحد من أخطر عيوب مصر هي أنها تسمح للرجل العادي المتوسط، بل للرجل الصغير بأكثر مما ينبغي وتفسح له مكانًا أكبر مما يستحق؛ الأمر الذي يؤدى إلى الركود والتخلف وأحيانا العجز والفشل والإحباط؛ ففي حين يتسع صدر مصر برحابة للرجل الصغير إلى القمىء فإنها على العكس تضيق أشدَّ الضيق بالرجل الممتاز. فشرط النجاح والبقاء في مصر أن تكون اتّباعيًّا لا ابتداعيًّا، تابعًا لا رائدًا، محافظًا لا ثوريًّا، تقليديًّا لا مخالفًا، ومواليًا لا معارضًا”.
ألا يرى السيسي أن كل رجاله من العاديين المتوسطين بل أقل من ذلك، وأنهم السبب الرئيسي في الفشل والاحباط؟!
إليك عينة من تصريحات رجاله:
● “المطر لما بينزل الشوارع بتتبل”. محافظ القاهرة، جلال السعيد.
● “كلوا كوسة وبلاش بامية”. المتحدث باسم وزارة التموين في محاولة منه لمحاربة الغلاء.
● “بلاها الطماطم كلوا صلصة”. ناهد عشري وزيرة القوى العاملة وهي تحارب الغلاء.
● “بننزل القهاوي ونعرض على الشباب شغل لكنهم بيرفضوا”. ناهد عشري وزيرة القوى العاملة.
● “بعض الدول تلقي بالفوسفات في المياه لفوائده”. وزير البيئة خالد فهمي، تعليقًا على كارثة غرق ناقلة تحمل 500 طن من الفوسفات في مياه نهر النيل.
● “شقة 35 مترًا”. رئيس بنك الإسكان والتعمير يدعو الشباب للسكن في شقة 35 مترًا لحل مشكلة الإسكان.
● “لا يوجد بطالة إطلاقا في مصر”. خالد عبد العزيز وزير الشباب والرياضة.
● “إصلاح الطرق هيرفع معدلات حوادث السير”. وزير النقل سعد الجيوشي مبرارًا التأخر في إصلاح الطرق.
● “الرياح التي تهب على مصر شمالية غربية يعنى لو حد من اليهود ضرب حاجة علينا هترد عليه تاني”. اللواء حلمي اليهاتمي، محافظ السويس.
ثم هناك سؤال آخر؛ أفلا يرى السيسي عندما يراجع ما قاله في أي من خطاباته أنه من هؤلاء الأناس العاديين الذين تحدث عنهم جمال حمدان: “ميصحش كده، لا والله ما حكم عسكر، مش هناكل آه مناكلش المهم نكون كده، اسمعوا كلامي أنا بس، هتدفعوا يعني هتدفعوا، طبيب الفلاسفة”.. أم أن يرى في نفسه عبقرية جمال حمدان؟!
(7)
وكأن جمال حمدان يعيش في وقتنا الحالي عندما قال:
“إن الطغيان والاستبداد الغاشم هو من أسفٍ حقيقة واقعة في مصر من بدايتها لليوم مهما تبدلت أو تعصرت الواجهات والشكليات”.
“لقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق”.
“والمؤكد أن مصر المعاصرة لن تتغير جذريًا ولن تتطور إلى دولة عصرية وشعب حر، إلا حين تدفن الفرعونية السياسية مع آخر بقايا الحضارة الفرعونية الميتة”.
تراودني صورة الرئيس السيسي وهو يهز رأسه عندما يقرأ تلك الكلمات ويعتقد أن جمال حمدان يقصد الرئيس المعزول محمد مرسي؛ ولا يرى في نفسه فرعونًا جديدًا؛ فكيف سيعلم أنه المقصود طالما أن كل من حوله يصفقون لكلامه حتى ولو كان غير مفهوم؛ قلنا سابقًا “أنه في كل مكان وزمان لن تجد ديكتاتورًا يبني عرشة إلا على نفاق هؤلاء الذين يصفقون على كل خراء وفساء يصدره الديكتاتور، إنهم يدّعون أن خراء الحكام لحم طازج وفسائهم عطر ليس كمثله عطر”.. وما دام ذلك كذلك فلم ولن يشعر الرئيس أن جمال حمدان يقصده وسيهز رأسه موافقًا ويلعن الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعته!
(8)
وعن الريادة يقول حمدان:
“على مصر، كما على العرب، أن ترتفع، وترتفع إلى مستوى التحدي والمسؤولية؛ بأن تعطي العرب قيادة عبقرية جديرة قادرة، لا قيادة قميئة عاجزة خائرة.
لكن وزير الخارجية سامح شكري، بطل العالم في الغضب على ميكروفون قناة الجزيرة يرى غير ذلك، فيقول خلال لقائه ببعض النواب:
“ليس من أهدافنا أن تكون مصر رائدة، فمصر ليست رائدة ولها قدرات بحكم موقعها الذي لا ينافسها فيه أحد، لا نسعى أن نكون رواد لأحد وإنما شركاء”. جريدة الشروق.
(9)
وفي جدلية ثورة دي ولا انقلاب؛ يقول جمال حمدان في كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير”:
“ومن المحزن أو المضحك أن كثيرًا من أصحاب وصانعي هذه الانقلابات العسكرية الطفيلية يصر إصرارًا واستكبارًا (أو غفلة أو استهتارًا) على أن ينعتها بالثورة، الثورة الشعبية إلا فلا؛ كل انقلاب عند أصحابه هو ثورة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s