إلى زوال.. ولكن أكثرهم لا يعلمون


وعد الشعب المصري بالجنّة في الدنيا، فحدثهم عن أسعار السلع الأساسية التي ستنخفض حتى يصير سعرها كالتراب، وعن رواتبهم التي ستعلو حتى تصل إلى السماء، وعن أنه لا يحب أن يوصيه أحد على الفقراء، فالفقراء “نور عينيه” ولا يحتاج توصية عليهم.


حدّث شعبه عن مشاريع عملاقة سوف تنته في أيام معدودة؛ ووعدهم ب”ديمقراطية” لم تشهدها البلاد من قبل، وقال أنه سيحارب الإرهاب، وأنه سيعتمد في محاربته على الجيش، فهو ابن المؤسسة العسكرية المخلص، وظهر للناس على أنه المؤمن، الديمقراطي، الاشتراكي. تحدث كثيرا عن الله والدين، وعن الحرية، وعن المساواة والعدل، فصدقه الفقراء والأغنياء.


“انتوا هتستغربوا مصر بقت كده إزاي؟” بالفعل تعجب الشعب وتسائل: مصر بقت كده إزاي؟ فسرعان ما تحول من النظام الاشتراكي، إلى الرأسمالي، وتقرب من أمريكا، وألغى الدعم عن السلع الأساسية.


إنه الرئيس الراحل”محمد أنور السادات”.. ففي ١٧ يناير ١٩٧٧، ألقى عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية -آنذاك- خطابًا أمام مجلس الشعب، أعلن فيه اجراءات تقشفية، لتخفيض العجز.
وفي صباح ١٨ يناير ١٩٧٧، أعلنت الصحف المصرية “إلغاء الدعم” عن بعض السلع الأساسية، بدعوى ترشيد الأسعار. ونقلت الصحف رسالة النظام للشعب، “لازم نستحمل عشان مصر” وكأن على الفقراء أن يتحملوا كل شئ، يتحملوا غباء الحكومة، من اجل أن تبقى الحكومة.


ازداد سعر الخبز حينها إلى 50%  عن سعره الأصلي. والشاي إلى 35% والسكر والزيت25 % ، كما ارتفعت أسعار البنزين، والسجائر، وغيرها من السلع التي يستخدما الفقراء “نور عين الرئيس” لكن الشعب لم يستجب لهرتلة الجرائد التي كانت بوقًا من أبواق النظام، ولم تكن يوما صوتًا للشعب. وأعلن رفضه إلغاء الدعم، وإجراءات التقشف، وأعلن العمال إضرابهم عن العمل، وخرجت مظاهرات حاشدة في صباح 18 يناير، في حلوان، وشبرا، والإسكندرية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس، وأمام مجلس الشعب.


“يا ساكنين القصور، الفقرا عايشين في القبور.. سيد بيه يا سيد بيه، كيلو اللحمة ب 100 جنيه”.. هكذا كانت الهتافات التي هتفها الشعب ضد الفقر والجوع، وطالب بإسقاط الحكومة، ثم تطورت هتافاته إلى المطالبات ب “اسقاط النظام”.
تعامل الأمن مع المظاهرات بعنف، وأعلنت أبواق النظام في النشرة الإخبارية، أن الشيوعيين يريدون تخريب البلاد، وأن ما يحدث في الشوارع مؤامرة على الوطن، وأن من في الشوارع ليسوا إلا عملاء، خونة، مأجورين، فكيف لهؤلاء الخونة أن يعلنوا رفضهم “إلغاء الدعم”؟.


ازداد غضب الشعب في اليوم التالي من الانتفاضة، وحرقت أقسام “الأزبكية، والسيدة زينب، والدرب الأحمر، وإمبابة، ومديرية أمن القاهرة” كما حرقت “استراحات الرئاسة” في كل محافظات مصر.


أطلق الشعب على انتفاضته “ثورة الخبز”. ولكن الرئيس الراحل أنور السادات، تعامل مع الانتفاضة بمبدأ “قُوى الشر” الذي يستخدمه الجنرال عبد الفتاح السيسي الآن، فقد اعتبر السادات أن كل من شارك في المظاهرات ليس إلا متآمرًا على وطنه، خائنا لشعبه، وأطلق السادات على الإنتفاضة “ثورة الحرامية”، لم يفكر في أن هؤلاء الفقراء الذين أطلق عليهم لقب “حرامية” ساندوه يومًا ما، وبأن مطالبهم مشروعة. بالضبط كما لم يفكر عبد الفتاح السيسي في أن من قالوا أن تيران وصنافير جزيرتان مصريتان، ليسوا إلا أبناء الوطن الذين لا يقبلون التنازل عن شبر منه.


واعتقل السادات آلاف ممن شاركوا في ثورة الخبز، واتهمهم بالإنضمام إلى تنظيم شيوعي غير قانوني، بالضبط كما يتهم عبد الفتاح السيسي كل معارضيه بالانتماء لجماعة الإخوان. لكن الذي حدث أن السادات قرر التراجع عن قراره بعدما انتفض الشعب ضده وطالب بإسقاطه، أما السيسي فقرر أن يبيع تيران وصنافير، ولم يتراجع، وقرر أن يرفع الدعم عن السلع الأساسية ولم يتراجع.


حلم السادات في إلغاء الدعم لم يتحقق من عام 1977، ولكن زوجته “جيهان السادات” لم تنسَ حلمه، فرأيناها تظرها على احدى شاشات النظام الحالي تعلن عن فرحها وترحيبها ب”إلغاء الدعم” وطلبت من الفقراء أن يحتملوا.
هكذا هو الحال، يجلسون في قصور الرئاسة، ويعيشون في نعيم الشعب والوطن، ثم يطلبون من الفقراء أن يتحملوا من أجل مصر، وكأن الفقراء هم الوباء الذي يجب أن يقضى عليه، كما قال رجل الأعمال “نجيب ساويرس” عن فقراء العشوائيات، ووصفهم بالبلطجية الذين يجب أن تقضي عليهم الحكومة.


المهم أن السيدة جيهان السادات، عاشت إلى اللحظة تلك التي رأت فيها حلم زوجها يتحقق، في عهد السيسي، فالفقراء الآن ازدادوا فقرًا، والأغنياء يتمتعون بكل ما أوتوا من أموال.


والسيسي دائمًا يخبرنا عن حبه للفقراء، ويوعدهم بأن مصر هتبقى أد الدنيا، وأنها بلدنا كلنا، ولازم كلنا ناخد فيها. لكن الواقع أن الأسعار قد ارتفعت، وارتفع معها المواطن، بأمره وتحت رعايته.


ففي الـ 10 أيام الماضية:
الدقيق قد ارتفع من 2٫5 إلى 4 جنيهات للكيلو، والسكر زاد بواقع 150 جنيهًا للطن، والأرز ارتفع إلى 7 جنيهات وهناك أنواع وصلت إلى 10 جنيهات للكيلو، وأسعار الياميش تشهد زيادة تتراوح من 40 إلى 50% عن العام السابق، وزيت الصويا ارتفعت أسعاره بواقع 200 جنيه زيادة فى الطن ليباع للمواطن بسعر يتراوح من 11 إلى 12 جنيهًا للتر، وزيادة أسعار المسلى زيت النخيل بأسعار تتراوح من 1500 إلى 2000 جنيه فى الطن ليصل إلى 9 آلاف جنيه بعد أن كان 6٫5 ، حسب تقرير نشرته جريدة الوطن بعنوان ” الأسواق تعاني من ارتفاع أسعار السلع الأساسية”


إننا أمام نظام مستعد لارتكاب أي جريمة في حق الوطن وفي حق الفقراء والأغنياء معًا، من أجل بقاءه، يبيع أراضي الوطن، ويلغي دعم السلع الأساسية،  ويحارب أبناء شعبه، فيعتقل كل صوت يدافع عن الحق، إن لم يكن قد أخفاه قسريًا، أو قتله، المهم أن يبقى النظام حاكمًا.


لكن الواقع الذي لا يدركه النظام الحالي، أن الأنظمة إلى زوال، وخاصة تلك الأنظمة القعمية التي تحتقر شعوبها. ولكن أكثرهم لا يعلمون.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s