انتصر الـ "سكوتر" على المدرعة


في جمعة الأرض، 15 أبريل، احتشدت الجماهير أمام نقابة الصحفيين، رغم التهديد والوعيد والتحريض على شاشات الإعلام.


ورغم أن وزارة الداخلية أصدرت بيانًا بدأته بالكذب؛ فقالت أن الإخوان هم من دعوا لتلك التظاهرات. وأنهته بالتهديد الصريح، فذكرت أنها ستتعامل بقوة مع المظاهرات. إلا أن الجماهير لم تخشى تشويه الإعلام، ولا تهديدات وزارة الداخلية. واحتشدت في ميادين عديدة. اعتراضًا على بيع جزيرتي تيران، وصنافير.


فأمام نقابة الصحافيين تجمع الآلاف من فئات عمرية مختلفة، ومن أفكار متعددة اجتمعت على حب وطنها ورفضها لبيع جزء من الوطن مقابل حفنة ريالات سعودية، وبعض أطنان الأرز.


كانت الجماهير تتأهب لدخول ميدان التحرير؛ ولكن قوات الأمن قد حاصرتهم من كل جانب. كما كان يحدث في تظاهرات حركة شباب 6 ابريل وكفاية في أثناء الحكم المباركي. حاصروا الهتاف، والأمل، والحلم، والثورة، بالسلاح. لخطورتهم على النظام.


لكن الجماهير رغم حصارها هتفت غاضبة، تعلن رفضها للخيانة وبيع الأرض التي قال عنها جمال عبد الناصر:
(مضايق تيران مياه إقليمية مصرية، ولقد طبقنا عليها حقوق السيادة المصرية، ولن تستطيع قوة من القوى مهما بلغت جبروتها، وأنا أقول ذلك بوضوح لكي يعرف كل الأطراف موقفهم، أن تمس حقوق السيادة المصرية أو تدور حولها. وأي محاولة من هذا النوع سوف تكون عدوانًا على الشعب المصري وعدوانًا على الأمة العربية كلها.. وسوف تلحق بالمعتدين أضرارًا لا يتصورونها)


احتشدت الجماهير بعد أن تيقنت من مصرية الأرض؛ وتسائلوا أسئلة منطقية منها:
إذا كانت الأرض سعودية، فلماذا دفعت السعودية مليارات مقابل الحصول عليها؟ وكيف لم تحصل السعودية على الأرض في عهد جمال عبد الناصر، أو أنور السادات، أو حسني مبارك، أو محمد مرسي ؟! ولماذا علمت اسرائيل بأن السيسي سيبيع الأرض للسعودية قبل أن يعلم شعب مصر؟!


تساؤلات عديدة لا حصر لها، ولا يمكن حصرها في سطور قليلة.


***
على الجانب الآخر من نقابة الصحفيين، تجمع نحو 7 مواطنين؛ نراهم دائمًا في كل وقفة مؤيدية للسيسي؛ وفي كل احتفال على انجاز وهمي.  كما نراهم في المظاهرات المعارضة للنظام؛ أو التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين؛ يسبون المتظاهرين، ويلعنون أهاليهم، ويتهموهم بالبلطجة والعمالة.. ويا للعجب؛ لا تعطي وجوهم وأساليبهم انطباعًا بأنهم يستطيعون معرفة مواعيد كل الفعاليات المعارضة للنظام عن طريق السوشيال ميديا؛ لأنني أشك في أنهم يستطيعون الكتابة والقراءة، إلا انهم يتمكنون من معرفة كل مواعيد المظاهرات فيتجمون معًا، ويهتفون “تحيا مصر، يحيا السيسي” ويرفعون صورًا للسيسي ببدلته العسكرية، ويقبلونه كيدًا في الخونة من المتظاهرين، وربما يسجدون أمام صورة السيسي.


امرأة منهم ترتدي طربوش أحمر، دائمًا تردد نفس الكلمات البذيئة ، السيسي عمكم يا خو…  يا عملاء.


وآخر يرتدي جلباب وفمه يعطيك انطباعًا بأن يشخر، ويقفز بشكل أوتوماتيكي، كأن أحد ضغط على زر في عقله، جعله يقفز باستمرار؛ في يده صورة السيسي التي قد هرست من فرط التقبيل، وينطق كلامًا لا نفهم منه سوى بعض الشخرات التي تخرج في وسط كلامه المبهم. ولكن واضح من شخراته العالية أنه معترض، لا يهم على ما يعترض؟ المهم أن يعلن سخطه.


ورجل آخر يركب “عجلة” بها سماعات ضخمة صوتها ردئ تبث رائعة “تسلم الأيادي” التي تفجرت في وجه الشعب، ودائمًا يشير للمتظاهرين بالوسطى.


لكن للأمانة غابت عنا السيدة الشهيرة صاحبة مقولة (شاتب يور ماوس أوباما، فاك يو أند جو توهيل) وظهر بدلًا منها رجلًا يقسم بكل الأديان السماوية بأن السيسي لو قال له أن والده ليس والده سيصدقه. أترضاه لأمك؟!


***
قوات الأمن قررت الإنحياز لمن يهتفون من أجل أن تحيا مصر السيسي، حتى لوسقطت مصر الوطن، والشعب، والحرية، والثورة. قرروا حمايتهم ممن لا خوف منهم من المتظاهريين السلميين؛ الذين رأوا أن وجود كائنات السيسي الفضائية مهمًا للغاية من أجل أن يحمدوا الله على نعمة العقل؛ ومن أجل أن يضحكون على حركاتهم المسرحية.


أما من كانوا يهتفون من أجل تحيا مصر الأرض، والوطن، والثورة، والحرية، والعدل. فحاصرتهم قوات الأمن من جهات أربع، كي تستطيع التنكيل بهم. فقوات الأمن لا تسمح لأحد بالتظاهر سوى من يهتفون “تحيا مصر السيسي” ولو رفعت الجماهير صور السيسي بجوار لافتات “عواد باع أرضه” لاختلف الأمر، وربما وزعت الشرطة الورد والشوكولاته عليهم.


***
المدرعات كانت في كل مكان، ورجال الشرطة الملثمون الذين يشبهون سلاحف النينجا، يشهرون أسلحتهم في وجه الجماهير من أجل انقاذ النظام وحمايته. لكن رغم كثافة الأمن، واغلاق جميع المداخل؛ إلا أن محيط نقابة الصحافيين امتلئ على آخره. فهيبة السلاح قد سقطت ودهست بالأقدام؟ والقناع الأسود الذي يرتديه رجال الشرطة ليختبئون تحته لم يكن يرهب الجماهير أكثر مما كان يضحكهم، وكانت الجماهير تزداد حماسًا وغضبًا واصرارًا.


سقطت أسلحتهم ومدرعاتهم أمام متظاهرًا لم يكن في يده مولوتوف أو حجارة، بل كان معه “سكوتر” يستعرض به مهاراته أمام مدرعات الأمن، فعندما ترى صورته وهو يمارس هوايته المفضلة أمام المدرعات، ستصلك ثلاثة رسائل أعتقد انها وصلت للنظام الحالي:


الأولى: أن حاجز الخوف قد تحطم كما تحطم في أثناء ثورة يناير.


الثانية: أنه رغم تكميم الأفواه، ورغم الاعتقالات، والتصفية الجسدية، والحرب الاعلامية، إلا أن شباب الثورة ما زالوا يناضلون بأسلوب غير عنيف، ولم يتخلوا عن سلميتهم.


الثالثة: أن النظام الحالي وصلت تفاهته إلى أن يعتقل شابًا كان يلعب بال “سكوتر” في الشارع؛ ويتهمه بتكدير السلم العام واستخدام العنف والانتماء لجماعة محظورة. فهذا الشاب معتقل الان ضمن 25 آخرون.
***
كان بعض الشباب يسعون لتنظيف مكان المظاهرات  باستمرار، كي يتركوه كما كان، وكي يتركوا رسالة قوية للجماهير الصامتة بأنهم يحبون الوطن، ولا يريدون تخريبه كما تدعي و سائل الإعلام. ولكن الإعلام تجاهل تلك الرسالة، بل تجاهل اليوم بأكمله؛ لأن المتظاهرين لم يرفعوا صور السيسي ولم يهتفون بإسمه.  حتى قناة الجزيرة تجاهلت اليوم، ربما لأن صور مرسي وشارات رابعة لم تُرفع أيضًا.


***
رغم أن الضباط كانوا يمرون وسط التظاهرات من دون خوف لأنهم يعلمون أن هؤلاء الشباب لا يؤذون أحد، فلا سلاح معهم سوى حناجرهم وأفكارهم وتمسكهم بالحرية. ورغم نُبل مطالبهم المشروعة، وحقهم في أن يرفضون بيع الوطن، إلا أن قوات الأمن قررت أن تتعامل مع المحتشدين بعنف، فأطلقت الغاز المسيل للدموع والخرطوش بعدما حاصرتهم من كل اتجاه، واعتقلت أكثر من 200 متظاهر في انحاء الجمهورية. تبقى منهم 25 ما زالوا محتجزين حتى الآن.


في الماضي كان يمكننا بنسبة ضئيلة؛ الظن بأن وزارة الداخلية تقمع التظاهرات خوفًا على الوطن، أو حبًا فيه بأسلوب مختلف أو متخلف. أما الآن والوطن يباع علنًا وهؤلاء قد تظاهروا اعتراضًا على بيعه، فكيف يمكننا القول بأن الشرطة تفعل ذلك دفاعًا عن الوطن؟ وكيف يمكننا تجاهل أن كل أجهزة الدولة متواطئة ومشاركة في بيع الوطن؟


وعلينا أن نتسائل: ما هو شعور جنودنا البواسل وهم يعتقلون شبانًا عزل، هتفوا من أجل الوطن؟ ولعبوا بال “سكوتر” أمام المدرعات.


***
لم يتوقف الأمر عند غرابة موقف رجال الشرطة، ولكن النيابة نفسها، قد اتهمت ال 25 شابًا بالانتماء لجماعة محظورة، ولا ندري أي الجماعات المحظورة التي تقصدها النيابة؟


هل هي 6 إبريل؟ أم الاشتراكيون الثوريون؟ أم التحالف الشعبي؟ أم شباب مصر القوية؟ أم شباب حزب الدستور؟ أم خالد علي، وريم ماجد، وليلي سويف، وأهداف سويف، وآلاف الشباب من المستقلين؟ فكل هؤلاء شاركوا في جمعة الأرض، بالاضافة إلى بعض أبناء التيار الاسلامي.


أمرت النيابة بإخلاء سبيل ال 25 متهم، لهزلية القضية، فكيف يمكن لوطني شريف أن يأمر بحبس أحد من رفضوا بيع جزء من الوطن؟!


ولكن النيابة قررت الرجوع في كلامها بعدما رفض جهاز أمن الدولة اخلاء سبيل المتهمين، وحبستهم احتياطيًا، ضاربة بكل القوانين عرض الحائط. لتثبت أن النيابة لا تحقق بشفافية في القضايا السياسية، وبأنها تعتمد على تحريات أمن الدولة فقط.


ولتثبت ولائها للنظام قبل الوطن.


***
في 2008 وصل القمع مداه، ولكن في النهاية تحطمت صورة مبارك في أرض المحلة ودهستها الأقدام، وانتفضت المحلة ضد قمع مبارك، فأنتجت الإنتفاضة حركة شباب 6 ابريل التي كانت سببًا كبيرًا في اشعال ثورة يناير. وقتها سُجن شباب الحركة؛ مثلما سجن شباب جمعة الأرض، وقتها لم تتوقف الهتافات رغم القمع، كما يحدث الآن. فقد سمعنا الهتافات أمام قاعات المحاكم، لأن حاجز الخوف الذي شيده نظام السيسي قد تحطم، ولأن ال “سكوتر” قد اشتبك مع المدرعة وهزمها.


كلما ازداد الغباء والقمع، واشتد الظلم، وشيدت السجون بدلًا من المدارس؛ اقتربت النهاية، وانتصر الـ “سكوتر” على المدرعة.


اقرأ أيضًا

نحن نكرهكم.. ونحب الوطن

توثيقًا للكذب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s