أتعرف ما هو الوطن يا جمال؟

(AFp)



لسماع المقال اضعط هنا


كان القاضي ذو وجه عريض، وبطن متهدلة، وأصابع مكتنزة، فى كل منها خاتم ثمين، وأظن أن عليه أن يتوقف عن تناول كميات كبيرة من الطعام، لكني أشك أن أحدًا يملك الشجاعة ليطلب منه ذلك، حتى طبيبه لا يستطيع أن يقدم له مثل هذه النصيحة، فبقرار منه يستطيع إرسال رجل إلى المشنقة، وبقرار منه يستطيع العفو بسهولة عن مجرم ويخرجه من أشد الزنزانات ظلمة”.


ربما تظن أثناء قرائتك لتلك الكلمات أنها موجهة لأحد القضاة الذين أبرحونا شموخًا، لا سمح الله، كما أنها لم تُكتب للإشارة إلى القاضي “محمد ناجى شحاتة” الذي يوزع إعدامات ومؤبدات على خلق الله، إنما هي كلمات كتبتها الروائية الرائعة “إليف شافاق” فى روايتها المتميزة “قواعد العشق الأربعون”.


وكانت في تلك الكلمات تصف ذلك القاضي الذي يحكم على خلق الله حسب معتقداتهم وأفكارهم لا حسب جرائمهم، والذي يمكنه أن يفعل ما يشاء فى أي وقت شاء، دون أن يعترض على حكمه مخلوق لأن القاضي يُعتبر خليفة الله فى الأرض ولا يمكن التعليق على أحكامه الإلهية، فإذا وجدت أي تشابه بين ذلك القاضي التي تتحدث عنه إليف شافاق وبين قضائنا الشامخ فعليك أن تنحيه جانبًا حتى لا “توديني” فى داهية.


***
صرنا نتوقع كل شيء، ولا نتفاجأ مهما حدث،  نقرأ عن الإعدامات كأننا نقرأ عن مباراة كرة قدم، والمؤبدات مثلها مثل درجة حرارة اليوم، والإخفاء القسري كإعلان عن سيارة قديمة للبيع، والتعذيب، ومعتقل التي شيرت، ومعتقل الكاميرا، ومعتقلى السحور، ومعتقل الكتاب، والإفراج عن أحد رموز النظام السابق، أشياء عادية تدعوك للتعجب بشكل بسيط كالتعجب الذي ستشعر به عندما تنظر إلى العضلات الضخمة لبطل العالم فى كمال الأجسام.


خرج نظام مبارك – الذي لم يُسجن يومًا واحدًا – من السجون، وعاد لنا جمال مبارك من جديد، وعاد الكابتن علاء شقيقه، عاد لنا أحمد عز وحاول دخول مجلس الشعب من جديد.


عندما تسأل عن سبب براءتهم ستجد البعض ممن يشعروك بأن كل شئ فى تلك الدولة لا يحدث إلا بما يتوافق مع القانون، يخبروك بأن الأدلة على إدانة نظام مبارك لا تكفي ولذلك يتم تبرئته، وبأن القاضي لا يحكم إلا بما أمامه من أوراق، ولا أدري كيف لا تكفي شهادة ملايين المصريين على الدماء التي سالت، وعلى الفقر الذي ضرب البلاد، وعلى الجهل الذي تعلمناه فى المدارس، وعلى التعذيب فى الأقسام، كما لا أعلم كيف يحصل القاضي على دليل لإدانة شباب الثورة فى تلك القضايا الهزلية التى يعلم الجميع أنها ملفقة لهم، فلا يمكن أن يكون هناك دليل واحد على حبس الطفل محمود محمد أكثر من 650 يومًا سوى أنه ارتدى تيشرت “وطن بلا تعذيب”، ومثله شوكان معتقل الكاميرا ومريض فيرس c الذى قضى فى السجن أكثر من عامين، كما لا يوجد أى دليل على إدانة كل من علاء عبدالفتاح وأحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل وياسين صبرى وماهينور المصري ويوسف شعبان سوى انتمائهم إلى ثورة 25 يناير.


كل شيء عاد كما كان، وربما أسوأ، عاد نظام مبارك – الذي لم يغب أصلًا- من جديد، وعاد شباب الثورة إلى السجون من جديد، ففي نفس الوقت الذي تم فيه إخلاء سبيل كلًا من جمال مبارك وعلاء مبارك، حكم القاضي محمد ناجى شحاتة بالسجن المؤبد غيابيًا على 10 من أعضاء حركة شباب 6 إبريل. ذلك القاضي الذي يكره ثورة 25 يناير، ومع ذلك ينظر فى أغلب قضايا من ينتمون إلى الثورة.


إذا كنت لم تسمع عن هذا الحكم من قبل فربما تظن أن هؤلاء الشباب قد حكم عليهم فى قضية تخابر، أو تمويل، أو أى من تلك القضايا التى حاولت كل الأنظمة المختلفة تلفيقها لكل من له علاقة بثورة 25 يناير، ولكن دعني أخبرك أن هؤلاء الـ 10 قد اُعتقلوا أثناء تأديتهم واجب العزاء فى زميلهم “الشهيد أحمد المصري” عضو حركة شباب 6 إبريل الذى قُتل برصاص الداخلية أثناء ذهابه إلى عمله يوم 14 أغسطس 2013، ونتفاجأ الآن بأن يتم فتح القضية بدون إبلاغ المتهمين دون حضور المحاميين وبدون محاكمة، ويحكم عليهم بالمؤبد. بلا داعى، فهم لم يقتلوا مئات فى رابعة العدوية، ولم يقتلوا شيماء الصباغ وسيد وزة، ولم يعذبوا المحامى كريم حمدي، ولم يختفطوا إسراء الطويل وإسلام خليل، لم يرتكبوا جرمًا سوى أنهم قرروا أن يشاركوا أهل صديقهم الشهيد “أحمد المصرى” أحزانهم.
* نرجو من النظام الحالي أن يكف عن ادعائه بالولاء لثورة 25 يناير فى تلك المؤتمرات التي لا يحضرها إلا فلول النظام السابق، لأن الأمر صار عبثيًا حد الموت من الضحك، فشباب الثورة فى سجون النظام الحالي محكوم عليهم بالمؤبدات والإعدامات. أو فى القبور تمت تصفيتهم، أو فى العدم تم إخفائهم، ومبارك ورفاقه لم يُسجنوا، فسجونكم لم تبنى إلا لنا، ولا يدخلها الفاسدون وإنما يدخلها الشرفاء.


* إلى السيد “جمال مبارك”.. عليك أن تحاول تحقيق حلمك فى الجلوس على كرسى الرئاسة وألا تشعر بالكسوف وتتعلم من صديقك أحمد عز الذي حاول دخول البرلمان بكل بساطة. وعليك أن تجيب بكل صراحة عندما يسألك أحد المخبرين الإعلاميين فى أول حوار تليفزيوني: أتعرف ما هو الوطن يا جمال؟ فترد بكل ثقة: الوطن هو أن يحدث ذلك كله. الوطن هو عزبة أبونا.


عليك أن تحاول العودة، وعلينا أيضا أن نحاول.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s