لم نشهدها

مينا دانيال
مصر العربية


لسماع المقال اضغط هنا
“إسرائيل تعنتت فى استرداد الأراضي المصرية فقررت مصر الدخول في حرب لاسترداد أراضيها المغتصبة، وتم التنسيق بين الجيشين المصري والسوري، وفي تمام الساعة الثانية بعد ظهر السادس من أكتوبر 1973م، العاشر من رمضان 1393هـ، فوجئ العالم ببدء القتال على الجبهتين المصرية والسورية، وقد تمكنت القوات المسلحة من إلحاق العدو في سيناء خسائر جسيمة بها، مما أربك صفوف العدو، وأفقده السيطرة على قواته”
(من كتاب الدراسات الاجتماعية بالصف الثالث الإعدادى)


في حقيقة الأمر لم يكن جيلنا من أولئك المحظوظين الذين شهدوا نصر أكتوبر العظيم، فلم نقرأ عنه سوى فى المقررات الدراسية التي كان يجب أن نحفظ نصوصها دون فهمها كي نكتبها بالحرف فى ورقة الإجابة، ثم ننساها فور خروجنا من لجنة الامتحانات، وربما لن نحتاج إليها فى لجنة الامتحانات عندما تكون اللجنة (سايبة) والمراقب بيغشش الطلبة من الكتاب.
كما أننا فى الصغر تلخصت معلوماتنا عن حرب السادس من أكتوبر فى أنه يوم رائع لأنه (أجازة) فى المدارس نشاهد فيه فيلم “الطريق إلى إيلات” وننتظر بشغف تلك اللحظة البطولية التي نشاهدها كل عام للأستاذ نبيل الحلفاوي وهو يحاول إبطال مفعول (العسلية) ومع أننا كنا نعلم أنه سينجح فى ذلك إلا أننا كنا نفتح أفواهنا على سبيل الاستعداد لما سيحدث من مفاجآت ربما لم نشاهدها فى نفس الفيلم فى العام الماضي.
للأسف لم نشهد تلك الانتصارات التي تحتفلون بها كل عام، كما أنني على المستوى الشخصي لم أشعر يومًا بالفخر عندما أقدم نفسي لأحد الأجانب قائلًا: أنا من مصر بلد الأهرامات وأبو الهول، فأجدادنا قد بنوا الأهرامات وأبو الهول ولكن ماذا عنا؟!


* نحن لم نشهد انتصار أكتوبر المجيد، ولكن العسكر جعلنا نشهد مذبحة أكتوبر (ماسبيرو) يوم 9 أكتوبر 2011، تلك المذبحة التى دهست فيها مدرعات الجيش بعضا من أبناء وطني فاستشهد فيها 24 مصريًا وكان على رأسهم الشهيد “مينا دانيال”، تلك المجزرة التي احتفل فيها الجنرالات على جثث من انتفضوا لكنائسهم التي تُحرق وتُنتهك حرماتها.
أظن وبعض الظن ليس بإثم، أن بعض من أبناء جيلي، أو قٌل أبناء يناير، عندما سمعوا الجنرال عبد الفتاح السيسي يلقي كلمته فى ذكرى نصر أكتوبر قائلًا: “نحتاج للتوقف عند دروس كثيرة من حرب أكتوبر”. استنكروا تلك المقولة فهم لم يتعلموا من ذلك النصر الذي يتحدث عنه الجنرال شيئًا ولم يتوقفوا عند دروسه سوى فى الأفلام ومقررات الإعدادية، فكل الدروس التى يتحدث عنها الجنرال قد نسفها نسفًا فى حديثه السابق عن ضرورة توسيع السلام مع إسرائيل، متناسيًا أننا يومًا لم نؤمن إلا بأنها فلسطين وليست إسرائيل. كما أننا فى الأفلام كنا نسمع عن التخابر مع إسرائيل والآن صرنا نسمع فى المحاكم عن التخابر مع حماس!


اننا سنتوقف عند دروس تلك المجزرة التي شهدناها والتي ارتكبها العسكر ضد بعض المصريين فى يوم 9 أكتوبر 2011، (مذبحة ماسبيرو)


فمن ضمن تلك الدروس أن الحياة فى هذا الوطن تنقسم إلى قسمين: “عسكريين حاكمين، ومدنيين محكومين” لا ثالث لهما، وعليك الاختيار بين أن تنضم لصفوف العسكر من الإعلاميين والصحفيين المخبرين، أو الانضمام لهؤلاء المدنيين المدهوسين، فإن كنت لا علاقة لك بتلك المؤسسة العسكرية أو لست أحد من يدافع عنها بأي من الوسائل فعليك أن تعلم جيدًا أنك عندهم بلا ثمن.


* لم نشهد تلك اللحظات التي وقع فيها البطل صابر فى غرام النشالة بدور فقررت التوبة، وعندنا سافر صابر إلى سيناء لإنقاذ الوطن علمت الحارة أن “بدور” نشالة وكانت فضيحتها بجلاجل، ثم عاد لها صابر مصابًا بعدما انتصر على إسرائيل وتزوجها، لم نشهد تلك النهاية السعيدة سوى فى  فيلم”بدور”، ولكننا شهدنا دموع “فيفيان مجدي” وصراخها وهي تحتضن يد خطيبها “مايكل مسعد” وتنظر إلى دمائه غير قادرة على استيعاب فكرة أنه قد فارق الحياة وأنها لن تراه بعد هذه اللحظة لأن أحد أبناء الجيش قد قتله ظنًا منه أنه العدو. وكان هذا واضحًا فى إحدى الفيديوهات التى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد العساكر وهو يلعن الأقباط ويتوعدهم بالقتل.
لم نشهد تلك الجوابات الغرامية التى أرسلتها بدور لصابر، ولكننا شهدنا كلمات فيفيان التى كتبتها فى نعي خطيبها: “حينما تحلم وتصحو في غفوة ذلك الحلم الجميل على صدمة مدرعة سارقة للأرواح، ستجد أن كلماتك قد جفت، حينما تبني قصورًا واهية لحقوق دماء قد سالت، وتمر السنوات دون قصاص، ستجد أن كلماتك قد جفت، حينما ترى وتسمع وتتكلم وكأنك من عالم آخر يريد تدمير الوطن ستجد أن كلماتك قد جفت”.


* لم نشهد تلك اللحظة التي أعلن فيها التليفزيون المصري نجاح قواتنا فى سحق العدو، ولكننا شهدنا التليفزيون المصري وهو يحرض على الأقباط ويكذب، فنحن لم ننس مذيعة التليفزيون المصري “رشا مجدى” عندما ظهرت لنا تعوج فمها وتتساءل.. لماذا يقتل الأقباط جنود الجيش؟ وتتهمهم بأنهم قتلوا ثلاثة من جنود الجيش وأصابوا منهم 20 وبعد لحظات قالت 30، شهدنا تلك المذيعة وهي تكذب وتضلل وتدعي أن الأقباط يطلقون الرصاص صوب الجيش الذي حمى الثورة، واتهمتهم بأنهم يحرقون الوطن، ثم تحولت فيها إلى واعظة دينية وناشدتهم بأن يتقوا الله فينا، مع أنها لم تتقِ الله فيهم واتهمتهم زورًا بأن بحوزتهم زجاجات مولوتوف حارقة ورشاشات آلية، وبأن الجيش يتعامل بأعلى مستويات ضبط النفس، ولم تتحدث عن من سقطوا منهم شهداء، ولم تعلق على دهس المدرعات لأبناء الوطن، ولم تطالب بمحاسبة المسؤولين حتى يكتب عنها التاريخ أنها كانت تتق الله.


* فى الواقع نحن لم نشهد سوى انتصاراتكم علينا، نحن أبناء الوطن الذين يقتلون فى الشوارع ويعذبون فى المعتقلات ويقمعون فى الجامعات، لم نشهد سوى تلك المعارك التى قتلت فيها إسرائيل عشرات من جنودنا على حدود الوطن دون رد فعل لتلك الضربات.
“هؤلاء العسكر، يبحثون دومًا عن عدو ينتصرون عليه، ولأنهم عاجزون عن الانتصار على العدو الرابض عبر الصحراء، فهم ينتصرون علينا، نحن هدف سهل بالنسبة إليهم”.محمد المنسى قنديل من رواية قمر على سمرقند”.


* حدثونا عمن عبرتم فوق أجسادهم وعن محاسبة القتلى، ولا تقولوا لنا أن علاء عبدالفتاح هو السبب في كل ماحدث وأنه هو من سرق الدبابة ودهس المتظاهرين فى ماسبيرو، والتمسوا لنا 90 مليون عذر، فنحن لم نشهد عبور خط برليف ولكننا شهدنا عبور الدبابات فوق جسد مينا دانيال.


اقرأ أيضًا

لماذا يخشى المستبدون العلم؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s